حين تصطدم الوثيقة بالمخيال الشعبي: زيدان وعدوان نموذجًا
شبكة النايل الإخبارية بقلم الكاتب والباحث: أشرف بن ماضي
لم يكن غريبًا أن يتعرض الدكتور يوسف زيدان لذات العاصفة التي واجهها الأديب الراحل ممدوح عدوان. فكلاهما ارتكب الجريمة ذاتها في نظر العامة: أنه عاد إلى النص، وقرأ الوثيقة، وتحدث بلغة العلم لا بلغة العاطفة.
لقد كتب عدوان مسلسل الزير سالم مستندًا إلى كتب الأخبار وكتاب الأغاني وأمهات المصادر التاريخية، فقدم لنا شخصية الزير كإنسان مركب، تحركه المروءة والانتقام والجنون والحزن معًا. فثار عليه المخيال الشعبي الذي صنع من الزير بطلًا خارقًا لا يهزم ولا يضعف ولا يبكي إلا انتصارًا.
وبالمثل، جاء الدكتور يوسف زيدان بروح المؤرخ الذي لا ينساق وراء إشاعة ولا يجامل عاطفة، فقدم قراءة مغايرة للتاريخ والتراث، معتمدًا على المخطوطات والوثائق المكتوبة. فكان نصيبه النقد الحاد، لأن العلم حين يصادم الموروث يبدو قاسيًا، وإن كان صادقًا.
يوسف زيدان: مؤرخ بروح روائي
الدكتور يوسف زيدان ليس كاتبًا عاديًا. هو مؤرخ وفيلسوف ومتخصص في التراث والمخطوطات، شغل منصب مدير مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية. منهجه واضح لا لبس فيه: العودة إلى المصدر، وتحليل النص، وطرح السؤال حتى وإن أوجع.
من أبرز مؤلفاته:
1. عزازيل: صدرت عام 2008 ونالت جائزة البوكر العربية عام 2009. الرواية تقدم يوميات الراهب هيبا في القرن الخامس الميلادي، وترصد صراع الكنيسة المبكر حول طبيعة المسيح، وعلاقة الدين بالسلطة، وصراع العقل مع الإيمان. عبقرية الرواية تكمن في الحوارات الإنسانية والدينية العميقة بين هيبا والأنبا أوكتا والراهب نسطور. وهي ليست من نسج الخيال المطلق، بل قامت على مسح ذكي للغنى الفكري واللاهوتي لذلك العصر، واستندت إلى قراءات واسعة في المخطوطات السريانية والقبطية.
2. النبطي وظل الأفعى وجوتييه: ثلاثية تستكشف جذور العنف والتطرف والهوية في التاريخ الإسلامي، وتعيد قراءة شخصيات ظلت مسطحة في الذاكرة الجمعية.
3. فردقان: رواية فلسفية عن ابن سينا وسجنه، تطرح سؤال العقل في مواجهة السلطة.
4. حاكم: قراءة في شخصية الحاكم بأمر الله الفاطمي بعيدًا عن الأساطير التي أحاطت به.
5. كتب فكرية وتاريخية: مثل اللاهوت العربي، والمتاهة، والإرهاب الديني وأصوله في التاريخ، وهي كتب تعتمد المنهج الأكاديمي الصارم في تفكيك الخطاب الديني والسياسي عبر العصور.
إن ما يميز زيدان أنه لا يكتب ليرضي أحدًا. هو يبحث ثم يكتب، فمن قبله فليقبل، ومن رفضه فليأت بحجته.
الزير سالم بين الوثيقة والأسطورة
أما عن الزير سالم، واسمه الحقي حلي بن ربيعة التغلبي، فإن كتب التاريخ والأدب تقدمه على غير الصورة التي رسمتها السيرة الشعبية.
السيرة الشعبية صنعته فارسًا لا يقهر، ثأره مقدس، ونساؤه عابدات، وأعداؤه مسوخ. لكن المصادر الأولى تذكره كقائد قبلي دخل في حرب البسوس التي دامت أربعين عامًا بسبب ناقة. وتذكر المصادر أنه كان شاعرًا مجيدًا، وكان أيضًا رجلًا قاسيًا في ثأره، لجأ إلى الخمر والنساء هربًا من هول ما فعل.
كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ونهاية الأرب للنويري، ووفيات الأعيان لابن خلكان، كلها تمنحنا زيرًا إنسانيًا، فيه الشجاعة وفيه الضعف، فيه الوفاء وفيه القسوة. وهذا هو ما فعله ممدوح عدوان: أعاد للشخصية إنسانيتها التي سلبها منها التمجيد الشعبي.
الكلمة الأخيرة
إن وظيفة المؤرخ والباحث ليست التربيت على العاطفة الجمعية. وظيفته أن يسأل، وأن يوثق، وأن يقدم ما في الوثيقة حتى لو خالف ما نحب.
والقارئ الحر هو من يملك أن يقبل أو يرفض، لكن بالحجة والدليل، لا بالصراخ والاتهام.
إننا نحتاج اليوم إلى مزيد من زيدان وعدوان، لا أقل. نحتاج من يكسر الأصنام الفكرية بالمشرط لا بالفأس، بالعلم لا بالعصبية.
تحية لكل عقل يقرأ، ولكل قلم لا يخشى الحقيقة.

