كلام من القلب
✍️بقلم/ محمد العزب
هل الحب والحنان هما أصل الإخلاص؟ أم أن الاحتواء هو الأساس الحقيقي للاحترام؟ أم أن الأمر يبدأ من أسرة غرست في أبنائها قيم الحب والعطاء والوفاء والتضحية؟
أسئلة كثيرة تفرض نفسها في زمن أصبحت فيه العلاقات أكثر تعقيدًا، وتراجعت فيه بعض القيم التي كانت يومًا ما أساسًا للتعامل بين الناس.
أتذكر زمنًا كان الاحترام فيه لغة الجميع؛ كان الصغير يوقر الكبير، ويناديه بـ”يا حاج” أو “يا عمي” أو “يا خال”، حتى وإن لم تربطه به صلة قرابة. وكان التلميذ يحترم معلمه في حضوره وغيابه، وكانت الأخلاق عنوانًا للرجولة، لا ارتفاع الصوت ولا الغلظة في الحديث.
أما اليوم، فقد تغيرت أشياء كثيرة. أصبح البعض يظن أن القسوة قوة، وأن الصراخ رجولة، وأن المصالح هي المعيار الوحيد لاستمرار العلاقات. ومع هذا التغيير، غابت عن كثيرين معاني الرحمة، وجبر الخواطر، والتسامح، وأصبح البعض يقيس الناس بما يحققونه له من منفعة، لا بما يحملونه من قيم.
ورغم ذلك، ما زال بيننا أناس لم تتغير قلوبهم، يقدمون الحب والعطاء دون انتظار مقابل، ويقفون إلى جوار الآخرين وقت الشدة، ويجبرون الخواطر، ويمنحون الحنان في زمن القسوة، والإخلاص في زمن الخذلان. هؤلاء تربوا على قيم أصيلة، لأن الأخلاق لا تُشترى بالمال، بل تُغرس في النفوس منذ الصغر.
فالإنسان الأصيل يبقى أصيلًا مهما تغيرت الظروف، بينما تفسد القلوب التي امتلأت بالجحود والأنانية، وتتحول العلاقات عند أصحابها إلى صفقات مؤقتة، تنتهي بانتهاء المصلحة.
أما الحب الحقيقي، فليس مجرد كلمات تقال، ولا وعود تُطلق، بل هو احتواء، واهتمام، ومشاركة، وإحساس صادق بمن نحب، حتى في غيابهم. فالحبيب الحقيقي يشعر بوجع من يحب قبل أن يسمعه، ويشاركه أفراحه وأحزانه دون أن يطلب منه ذلك.
وقد يكون الحب أحيانًا من طرف واحد، فيظل صاحبه مخلصًا لمشاعره رغم عدم مبادلتها. لكن يبقى السؤال: هل يستحق هذا الحب أن يستمر؟ ربما تختلف الإجابة من شخص لآخر، لكن المؤكد أن الحب الصادق لا يعرف الخداع ولا الاستغلال.
أما من يتلاعب بالمشاعر، ويستخدم كلمات الحب وسيلة للخداع، فهو لا يعرف الحب أصلًا، بل يبحث عن إشباع نزواته ومصالحه. والخيانة ليست دليلًا على الذكاء أو الرجولة، بل تعكس ضعفًا في الأخلاق، ونقصًا في الشخصية، وعجزًا عن تحمل المسؤولية.
فالخائن لا يكسر قلب من أحبه فقط، بل يفقد احترامه لنفسه قبل أن يفقد احترام الآخرين. وقد يظن أنه انتصر بخداعه، لكنه في الحقيقة يخسر أغلى ما يملكه الإنسان، وهو صدقه مع نفسه.
وفي النهاية، تبقى القيم والأخلاق والحب الصادق هي الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات الناجحة، أما المصالح والخداع فمصيرها الزوال مهما طال الزمن.
ويبقى السؤال لكم: هل ترون أن الحب وحده يكفي لاستمرار أي علاقة؟ أم أن الاحترام والاحتواء والصدق هي الأساس الحقيقي الذي يحفظها؟
شاركونا آراءكم وتجاربكم، فقد تكون تجربة أحدكم رسالة يستفيد منها الجميع.


