قصة حوارية مزدوجة
ما تبقّى من المسافة ما بين نافذة مفتوحة وذكريات توشك على الغلق
بقلم عدنان مهدي الطائي
صوت الأب:
لماذا يبدو البيت أوسع كل يوم؟
لم أغيّر شيئًا…
لكن الجدران تبتعد، كأنها لا تريد أن تسمعني.
صوت الأبناء:
مشغولون نحن… الحياة سريعة،
والأيام تمضي دون أن نشعر.
سنزوره قريبًا… لا بد أن نزوره.
صوت الأب:
كنت أظن أن التعب يزول حين يكبر الأبناء.
لم يخبرني أحد أن التعب… يبدأ من هناك.
صوت الأبناء:
هو بخير… أليس كذلك؟
دائمًا كان قويًا.
الأب لا يضعف.
صوت الأب:
ضعفتُ… لكن ليس في الجسد.
في شيءٍ أعمق، لا يُرى، ولا يُقاس.
صوت الأبناء:
نحن لا نقصد…
فقط الحياة أخذتنا.
سنعوضه لاحقًا.
صوت الأب:
لاحقًا …
كلمة اخترعها الغائبون، ليؤجلوا الحب.
صوت الأبناء:
هل يشعر بالوحدة؟
ربما…
لكن ماذا نفعل؟
الأمر صعب.
صوت الأب:
لم يكن صعبًا حين كنتُ أركض لأجلهم.
لم يكن صعبًا حين كنتُ أختصر العالم في رغباتهم.
صوت الأبناء:
علينا أن نتصل به.
على الأقل… ليرتاح ضميرنا.
صوت الأب:
الضمير…
هل يُعاد تشغيله بمكالمة؟
صوت الأبناء:
اتصل… أنت تحدثه.
لا، أنت أقرب إليه.
حسنًا… سأتصل.
صوت الأب:
الهاتف يرنّ…
صوتٌ غريب في بيتٍ تعوّد الصمت.
هذه ليست عودة…
هذا صدى.
صوت الأبناء – عبر الهاتف:
أبي…
صوت الأب – بصمت داخلي:
هذه الكلمة…
تبحث عن صاحبها،
ولم تعد تجدني.
صوت الأبناء:
كيف حالك؟
صوت الأب:
حالٌ لا يُقال…
ولا يُختصر.
صوت الأبناء:
نحن… كنا مشغولين.
تعرف كيف هي الحياة.
صوت الأب:
نعم… أعرف.
لكنني لم أكن يومًا مشغولًا عنكم.
صوت الأبناء – بتردد:
أبي…
ارْضَ عنا.
صمت طويل
صوت الأب – ببطء:
تأخرتم…
صوت الأبناء – مرتبكون:
لم نكن نقصد…
صدقنا، لم نكن—
صوت الأب – يقاطع بهدوء:
لم أعد أبحث عمّا قصدتم.
صمت
صوت الأب:
تعرفون ما هو الأصعب؟
ليس الغياب…
بل أن أظلّ هنا،
أنتظركم…
حتى تعلّمتُ كيف أتوقف.
صوت الأبناء – خافت:
نريد أن نصلح كل شيء…
صوت الأب:
لا يُصلَح ما لم يُعاش في وقته.
صمت أثقل:
صوت الأب – كقرار أخير:
اسمعوا…
لن أطلب منكم شيئًا بعد الآن،
ولن أنتظر.
سامحتُكم… نعم،
لكنني لن أعود كما كنت.
هناك أبواب،
إن أُغلقت بعد طول انتظار،
لا تُفتح… حتى بالمفاتيح القديمة.
صوت الأبناء – مذعور:
أبي… لا تقل ذلك…
صوت الأب – بهدوء قاطع:
لقد قلته.
صمت
صوت الأب – كخاتمة داخلية:
اليوم فقط…
لم أعد أبًا ينتظر،
بل رجلًا…
استعاد ما تبقّى م
ن كرامته.
صوت الأبناء – متلاشٍ:
أبي…؟
صوت الأب:
…
صوت داخلي أخير :
انتهى الصوت.
وبدأ الصمت…
لأول مرة،
بكرامة.

