مع الصائمين
زَكَاةَ الْفِطْرِ
بقلم: محمود فوزي الموجي
الْخِتَامُ الطَّيِّبُ لِلصِّيَامِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: “فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ”. وَفِي رِوَايَةٍ: “أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ”.
يَحْتَاجُ الصِّيَامِ إِلَى من يُتِمُّهُ وَيُطَهِّرُهُ مِمَّا قَدْ عَلِقَ بِهِ مِنْ لَغْوٍ أَوْ رَفَثٍ أَوْ تَقْصِيرٍ ونَحْنُ نُوَدِّعُ شَهْرَ رَمَضَانَ بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ، وَأَفْئِدَةٍ وَاعِيَةٍ فالصِّيَامِ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يُرْفَعُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِصَدَقَةالْفِطْرِ. قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: سُمِّيَتِ الصَّدَقَةُ صَدَقَةً لِأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ الْمُتَصَدِّقِ مَعَ اللَّهِ حِينَ تُخْرِجُ مَالَكَ -وَأَنْتَ تُحِبُّهُ- وَتَدْفَعُهُ إِلَى الفَقِيرٍ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ” (رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْ: هِيَ دَلِيلٌ وَبُرْهَانٌ عَلَى صِدْقِ الإِيمَانِ.
وصَدَقَةالْفِطْرِعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَادِرٍ، يُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ يَعُولُ.
و تَكُونُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ
و تَجِبُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ
وأَفضل وقتها أن تؤدى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ.
كَمَا وَرَدَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: “فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ”
الْحِكْمَةُ مِنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ
جَمَعَهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كَلِمَتَيْنِ: “طُهْرَةً لِلصَّائِمِ” وَ “طُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ”.
الْأُولَى: طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ. قَدْ يَقَعُ الصَّائِمُ فِي شَهْرِهِ فِي بَعْضِ الْأَخْطَاءِ: كَلِمَةٌ نَابِيَةٌ هُنَا، نَظْرَةٌ مُحَرَّمَةٌ هُنَاكَ، جِدَالٌ فِي السُّوقِ، غِيبَةٌ أَوْ نَمِيمَةٌ. هَذِهِ الصَّدَقَةُ تَأْتِي لِتَجْبُرَ هَذَا الْخَلَلَ، وَتُطَهِّرَ الصِّيَامَ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ، فَيَخْرُجُ نَقِيًّا كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، بِإِذْنِ اللَّهِ.
الثَّانِيَةُ: طُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ. تَخَيَّلُوا يَوْمَ الْعِيدِ، يَوْمَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ. كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُ الْفَقِيرِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ ما يكفي يَوْمِهِ؟ كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُ أَطْفَالِهِ شَرَعَ اللَّهُ هَذِهِ الصَّدَقَةَ لِتَجْعَلَ يَوْمَ الْعِيدِ يَوْمَ تَكَافُلٍ وَتَضَامُنٍ، يَوْمَ يَشْعُرُ فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ بِالْفَرَحِ. قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ: “كَانُوا يُطْعِمُونَهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ”. كُلُّ ذَلِكَ لِإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
وَأَمَّا مِقْدَارُهَا: فَهُوَ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ. وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَالْمُدُّ يَسَاوِي ملء حَفْنَةَ الرَّجُلِ بِالْيَدَيْنِ. وَبِالْكِيلُوجرَامَاتِ يُقَدَّرُ بِحَوَالَيْ 2.5 الى 3 كَجم تَقْرِيبًا مِنَ الْأَرُزِّ أَوِ التَّمْرِ أَوِ الْبُرِّ أَوِ الزَّبِيبِ أَوِ الْأَقِطِ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ كَثَافَةِ الطَّعَامِ. وَالسُّنَّةُ أَنْ نُخْرِجَهَا مِنْ غالب قُوتِ أهل بَلَدِنَا .
يُخْرِجُهَا الْمُسْلِمُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ كُلِّ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ: كَالزَّوْجَةِ، وَالْأَوْلَادِ الصِّغَارِ، وَالْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَقْتُ إِخْرَاجِهَا: يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ. وَأَفْضَلُ وَقْتٍ هُوَ صَبِيحَةُ الْعِيدِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ. وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا إِلَى مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ بِلَا عُذْرٍ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَثِمَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
و تُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا تُعْطَى لِلْأَقَارِبِ الْكُفَّارِ، وَلَا لِلْأَغْنِيَاءِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُقَدَّمَ لِلْأَقَارِبِ الْفُقَرَاءِ ثُمَّ الْجِيرَانِ ثُمَّ أَهْلِ الْبَلَدِ. قَالَ تَعَالَى: “وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” سَبَإٍ 39
أعاد الله عليكم الأيام بكل الخير .

