الرئيسيةثقافةمع الصائمين الحلقة العشرون
ثقافة

مع الصائمين الحلقة العشرون

مع الصائمين

غزوة بدر الكبرى

الجزء الثاني عشر

تابع / الدعاء والصيام

جنود الرحمن يوم الفرقان

من أفضل الأوقات المناسبة لإجابة الدعاء : نهار الصيام وعند إفطار الصائم وأخبرناالنبي صلى الله عليه وسلم أن للصائم عند فطره دعوة لا ترد وأخبرنا أن أعجز الناس من عجز عن الدعاء وعلمنا أن نسأل الله باسمه الأعظم قال تعالى( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى )الإسراء

اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب

فمن حكمة الله ورحمته بنا أن أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى، حتى ندعوه بكل أسمائه ، والأحاديث متعددة في بيان ما هو اسم الله الأعظم، فحديث يقول: الرحمن الرحيم. وآخر يقول: لا إله إلا هو رب العرش العظيم. وآخر يقول: اسم الله الأعظم في ثلاث آيات من القرآن: البقرة، وآل عمران، وطه كما رواه الحاكم ، قال القاسم راوي الحديث: فنظرت في البقرة فوجدته في قول الله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (البقرة255، وفي طه: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ( طه111، وفي آل عمران): اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)آل عمران:2.

وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر قال): يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث )

ثم تجمع القلب على الدعاء، وبعد ذلك تختم بالاستغفار والتوبة والإنابة، فلا يمكن أن يتخلف الدعاء عن الإجابة إلا إذا كان لحكمة يعلمها الله.

 

آداب الداعي

أن يكون مخلصاً في دعائه، ولو كان الدعاء خفياً بينه وبين ربه فذاك أقرب إلى الإخلاص، *أن يكون واثقاً بالله وأنه لا يقضي حاجته إلا هو، وعلى قدر يقينه تكون إجابته.

أن يكون حاضر القلب، بعيداً عن الغفلة أثناء دعائه، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عز وجل يا أيها الناس، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل .

أن يكون آكلاً للحلال بعيداً عن الحرام، فعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ المؤمنون: 51 ، وقال ﴿ يَا أَ يُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ البقرة 172. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب له0

أن يكون من أهل الدعاء في السراء والضراء، قال سلمان الفارسي رضي الله عنه:” إذا كان الرجل يدعو الله في السراء فنزلت به الضراء فيدعو فتقول الملائكة: صوت معروف من آدمي ضعيف كان يدعو في السراء فيشفعون له، و إذا كان الرجل لا يدعو الله في السراء فنزلت به الضراء فدعا فيقول الملائكة صوت منكر من آدمي ضعيف كان لا يدعو الله في السراء فنزلت به الضراء، فلا يشفعون له”.

أن يكون الداعي متوضئاً، متجهاً نحو القبلة، مثنياً على الله تعالى بما هو أهله قبل دعائه، رافعاً يديه إلى الله تعالى، فعن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفرا أو قال: خائبتين

*أن يختار جوامع الدعاء في دعائه، وجوامع الدعاء: هي الأدعية التي تتضمن خيري الدنيا والآخرة، ومنها- مما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم-: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وكذلك) اللهم أصلح لي ديني الذى هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر).

**** الأنبياء والدعاء

** نوح عليه السلام

آذاه قومه وتهددوه وسخروا منه ولم يستجيبوا لدعوته بعد ذلك العمر المديد في دعوتهم، حينها طرق نبي الله نوح باب الدعاء فكانت النجاة والغلبة له ولمن تبعه على قومهم الكافرين.

قال تعالى: ﴿ وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ الأنبياء: 76، 77.

 

يعقوب عليه السلام

فقدَ أحب أولاده إلى قلبه الأول ثم الثاني فترة من الزمن، فوكل أمره إلى السميع القريب سبحانه وتعالى ودعاه فاستجاب الله تعالى له، فقال: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ يوسف 86

وقال تعالى: ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ يوسف 96

موسى عليه السلام

خرج إلى مدين وسقى للمرأتين شياههما اشتد عليه الجوع فلم يسأل أحداً، وإنما سأل الله تعالى، فقال: ﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

 

زكريا عليه السلام

بلغ من الكبر عتياً، واشتعل رأسه شيباً، وكانت امرأته عاقراً، فهذه المقدمات والمعطيات لو طرحت لأساتذة طب النساء والعقم في عالمنا اليوم لاستبعدوا إيجاد الولد؛ لكن الله عز وجل لا يعجزه شيء وهو قادر على كل شيء، فاحذر أن تستبعد أمراً على الله، فقام زكريا يصلي لربه في المحراب، يقول ربنا سبحانه: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم:2-3] والدعاء كلما كان خفياً كان أدعى.

ودعا زكريا ربه، قال تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم:4 أي: لم أشق يا رب وأنا أدعوك أبداً،) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (مريم:5 أي: أريد ولداً ذكراً صالحاً؛ لأنه يرث العلم والنبوة (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (مريم:6 ولداً صالحاً لا عاصياً.وكانت النتيجة كما قال تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ( آلعمران39.

وقال تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (مريم:8-9.

**أيوب عليه السلام

فأيوب عليه السلام لما مرض تركه البعيد والقريب، والكل تخلى عنه، فمن الناس من يعرفك في حال الصحة، وأول ما تشعر بمرض طويل وابتعدوا عنك، لكن -يا عبد الله!- كن مع ربك عز وجل.

خرج أيوب يوماً يقضي حاجته، فجلس مع زوجته الصابرة التقية المحتسبة، فسمع رجلاً يقول لأخيه: إن أيوب قد أذنب ذنباً، ولو لم يذنب لما ابتلاه الله، فحزن أيوب فرفع يده إلى السماء قائلاً: (رب إني مسني الشيطان بنصب وعذاب)، يقول ربنا سبحانه في سورة الأنبياء﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ الأنبياء: 83، 84

تقول الروايات: إن أيوب ضرب بقدمه الأرض، فانبثقت منه عينان، قال له الله): هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)(ص :42 فشرب من الأول واغتسل من الآخر، فعاد صحيحاً معافى بإذن الله.

يونس بن متى عليه السلام

كان يونس عليه السلام يكثر في دعائه لربه، وهذا هو السلاح الذي نغفل عنه كثيراً، ادع ربك في اليوم والليلة، ادع ربك وأنت صائم وبعد الفجر وعند الظهر وفي العصر وقبل تناول الفطور، وعند القيام إلى السحور، وبعد التراويح، وفي دبر الصلوات، أكثر من الدعاء بكل ما تحتاج إليه.

خرج يونس عليه السلام من بين قومه غضبان؛ لأنهم لم يستجيبوا له، فأعرض عنهم وخرج قبل أن يأذن له الله، فركب سفينة، فبينما هم في وسط البحر جاءها الموج من كل مكان، عند ذلك تعلم علم اليقين أن الناس لا تقول إلا يا رب، فلا ملجأ من الله إلا إلى الله، يشعر بهذا من قطع مسافة العمرة أو الحج في الباخرة، حينما يعلو الموج لا ملجأ من الله إلا إلى الله، فعند ذلك قرر من في السفينة أن يتخلصوا من واحد حتى يخففوا الحمولة فوقعت القرعة على يونس ثم الثانية ثم الثالثة، فألقوه في البحر، فابتلعه الحوت في ظلمة الليل، وفي ظلام البحر وفي ظلمة بطن الحوت، وما احتمال النجاة إلا صفر % ، فهو في قاع البحر وبطن الحوت وفي سواد الليل، ولا يمكن أن يكون هناك احتمال للخروج، فنادى من بطن الحوت في ظلام الليل): لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (الأنبياء87 فقالت الملائكة: يا رب! صوت معروف من عبد معروف، إنه عبدك يونس بن متى، فأوحى الله إلى الحوت: لا تكسر له عظماً، ولا تأكل له لحماً. يقول ربنا: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) الصافات143-144.

تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، ومن الناس من لا يدعو ربه إلا في حال الكرب والضيق! قال تعالى): فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (الصافات145 أي: نبذه الحوت على شاطئ البحر وخرج ضعيفاً متعباً مريضاً منهكاً، لكن الله إذا أراد شيئاً هيأ له الأسباب، فقد أنبت عليه شجرة من يقطين، واليقطين نبات يزحف لا ثقل له على الأرض، واراه وغطاه حتى لا يصاب بأذى، حتى أصبح معافى سليماً، فأوحى الله إلى يونس أن يرجع إلى قومه، يقول ربنا): وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ الصافات:147-148

*** من أحوال الصالحين مع الدعاء

التاجر وقاطع الطريق

روى ابن أبي الدنيا في كتاب الدعاء المستجاب أن رجلاً يكنى أبا معلق من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كان تاجراً في ماله ومال غيره، وكان يقطع المسافات ويتاجر، وفي يوم انطلق بقافلته في صحراء، فلقيه قاطع طريق يريد أن يأخذ ما معه من مال ويقتله، فأعطاه المال وقال: لا بد من قتلك قبل المال. وانظروا إلى حال الصالحين مع الدعاء.. فقال: أما وقد عزمت على قتلي، فدعني أصلي لربي أربع ركعات، فقال: صل. فدخل الرجل في صلاته ولما سجد دعا ربه قائلاً: يا ودود يا ودود، يا فعال لما تريد، يا ذا العرش المجيد، أسألك بملكك الذي لا يضام، وبعزك الذي لا يرام،

وبنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك أن تفرّج عني ما أنا فيه.. يا مغيث أغثني.. يا مغيث أغثني. فلما أن أنهى الصلاة مباشرة أتاه الفرج من الله عز وجل، إذ جاء رجل يركب جواداً وسيفه بين أذني جواده، وتقدم إلى اللص وضربه ضربة أطاح بها عنقه، فقال له: من أنت؟ ومن الذي أرسلك؟ ومن أي البلاد أنت؟ قال: أنا ملك من السماء الرابعة، حينما قلت: يا مغيث أغثني قلت: يا رب عبد مكروب فوكلني به.

فلا تيأس ولا تحزن، فرمضان شهر الدعاء، فهلموا إلى ربكم عز وجل، وألحوا عليه في الدعاء

فكم من سائل أعطاه وكم من طالب كفاه وكم من مظلوم نصره وكم من ظالم قهره وكم من مبتلى عافاه سبحانه أمن يجيب المضطر إذا دعاه

لا إله إلا الله .

يتبع…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *