الرئيسيةثقافةليلة القدر حين تتنزل الرحمة
ثقافةخواطر

ليلة القدر حين تتنزل الرحمة

رمضانيات

اليوم الثامن عشر

ليلة القدر حين تتنزل الرحمة

بقلم/ د. محمد عبد العزيز

السودان

 

في قلب رمضان، تتلألأ ليلة تتجاوز كل الليالي في عظمة وبركة، ليلةٌ اختصها الله بنورٍ لا يُضاهى، وبرحمةٍ وسكينةٍ تتنزل على القلوب الخاشعة، إنها ليلة القدر. في هذه الليلة، يُغلق باب الشقاء، وتفتح أبواب الرحمة، وتُمحى الذنوب، ويُضاعف الأجر، ويكتب الله الأقدار للعام كله. إنها ليلةٌ تتحرك فيها القلوب نحو السماء، والأنفاس تتنفس خشوعًا، والروح تتعطر بخشيةٍ وتضرع.

ليلة القدر ليست مجرد حدث زمني، بل هي حالة روحية متكاملة. حين يقف المؤمن بين يدي الله، يشعر بقربه، ويستشعر عظمته، ويرى في نفسه ضعفًا يحتاج إلى الرحمة والغفران. الدعاء فيها لا يُرد، والخشوع فيها لا يذهب هباءً، والنية الصادقة تجد أصداءها مباشرةً عند الخالق. إنها ليلة التجديد، وفرصة قلبية لإعادة ترتيب الروح، ومراجعة الذات، وتجديد العهد مع الله.

وفي صمت الليل، حين تتردد الآيات وتذرف الدموع على الخشوع، تشعر النفس بأن كل لحظة لها وزنها الخاص. كل سجدة، كل دعاء، كل تلاوة، كأنها شعاع ينير الطريق بين الأرض والسماء. هذه اللحظات تعلّم الإنسان أن الرحمة ليست مجرد وعد، بل تجربة حية تُختبر في القلب، وتُحس في النفس، وتؤثر في التصرفات بعد رمضان.

ليلة القدر تذكّرنا أيضًا بقيمة الوقت والتدبر. فهي فرصة لإنقاذ الروح من التراكمات اليومية، وتحرير القلب من الأحقاد، ومحو الذنوب، وإشعال نور الطاعة. كل من يحيي هذه الليلة بخشوع وإخلاص، يشعر بأن قلبه يمتلئ بالسكينة، وأن الروح قد ارتقت خطوة نحو النقاء، وأن الرحمة التي تتنزل ليست له وحده، بل لكل من حوله أيضًا.

في اليوم الثامن عشر من رمضان، لنجعل ليلة القدر مركز اهتمامنا. لنقف بين يدي الله بقلوب صادقة، ولنرفع الدعاء بخشوع، ولنتدبر القرآن بتمعّن، ولنتسامح مع الآخرين، ولنغرس الرحمة في نفوسنا. فهذه الليلة… حين تتنزل الرحمة، يكون لكل قلب نصيب من الغفران، ولكل نفس فرصة للتجديد، ولكل روح لقاء خالص مع الله، يظل أثره مضيئًا طوال العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *