الرئيسيةثقافةمع الصائمين الحلقة السابعة
ثقافة

مع الصائمين الحلقة السابعة

مع الصائمين

بقلم/ محمود فوزي الموجي

رمضان شهر الانتصارات
غزوة بدر الكبرى ( الجزء الأول )
يوم الفرقان
مراحل تشريع الجهاد
من أهم ميزات التشريع الإسلامي سُنّة “التدرّج في التشريع”، وتناولت هذه السُنّة مسألة الجهاد فقد مرّ تشريعه بأربع مراحل:
1 – الكف والصفح والعفو
وهي مرحلة الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى وإنذار الناس، فبدأ رسول الله ﷺ بأهله، ثم بقومه (قريش)، ثم العرب والعالمين، وكان التوجيه الإلهي في هذه المرحلة في مواجهة الأعداء: الكفّ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ}، الصفح {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، العفو {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.
2 – الإذن بالقتال من غير إلزام
قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
3: فُرِض عليهم قتالُ مَن قاتلهم
أو اعتدى عليهم، أو وقف في طريق دعوتهم، أو ظَهَر منه قصْدُ العدوان ببيِّنة ثابتة؛ ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
4 – فرض القتال
أَمَر اللهُ – عزَّ وجلَّ – المسلمين بقتال المشركين لِصَدِّ عُدوانهم، وإزالة الفِتنة عن الناس، حتى يستمعوا النِّداءَ الحقَّ مِن غير عائق، وحتى يَرَوا نظام الإسلام مطبَّقاُ؛ لِيَعرفوا ما فيه مِن عدل وإصلاح لحياة البَشَر، قال – سبحانه وتعالى -:
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.

في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة تعرض المسلمون لاختبار ات عديدة وشديدة فأراد الله عز وجل ذلك تمحيصا وتنقية وتثبيتا لاتباع النبي صلي اللهُ عليه وسلَّم وكانت الاختبارات والابتلاءات كالتالي :_
١ _ فرضت الزكاة .
2- فرض الصيام.
3- فرض القتال.
4- تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في مكة.
اختبارات متتالية، حصلت في خلال أسبوعين فقط من شهر شعبان، والمسلمون قبل هذا الحدث كانوا يصلون في اتجاه بيت المقدس (16) أو (17) شهراً، من أول الهجرة إلى منتصف شعبان من السنة الثانية من الهجرة. و كان الاختبار صعباً، والله حدد الغاية منه قال تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله). البقرة:143
فالأمر في حقيقته امتحان كما بين الله عز وجل.
وفي هذا إعلان لعموم الناس أن الرسالة الإسلامية ما هي إلا استكمال لرسالات الأنبياء السابقين، وأن الرسول ﷺ ومن أتى قبله من الأنبياء جاءوا بمنهج واحد ويعبدون إلهاً واحداً، وفي ذلك تقريب لقلوب اليهود من سكان المدينة من الدين الجديد، فهم يشتركون مع المسلمين في قبلة واحدة، ويعظمون إلهاً واحداً، ويصومون يوماً واحداً هو يوم عاشوراء .
ثم ظهر للجميع أن اليهود قوم فاسقون أدركوا الحق واتبعوا غيره ، فنزل الوحي من السماء بتغيير القبلة من بيت المقدس إلى مكة المكرمة ، وفرض صيام رمضان بدلاً من صيام عاشوراء ، وكانت هذه التغييرات تحمل معاني سامية تميز الأمة الإسلامية ، منها التوجه إلى أشرف بقاع الأرض ، و مخالفة اليهود و فيها إشارة لطيفة إلى أن الله عز وجل سيفتح مكة للمسلمين ولن يتأخر الفتح .
واجتهد اليهود كعادتهم حاولوا إثارة الفتنة وإشاعة الشبهات و صاروا يتهكمون من تحويل القبلة ، وأن المسلمين مترددون بين قبلتين ، فما شأن القبلة القديمة إن كانت حق فقد تحولتم عنها وإن كانت غير ذلك فما حال الذين كانوا يصلون باتجاه القبلة القديمة ثم ماتوا هل ماتوا على باطل ؟ ماذا يفعل الله عز وجل بصلاتهم ، كـأسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه والبراء بن معرور ؟
فأنزل الله عز وجل يرد عليهم ويصفهم بالسفهاء ، ويبين المفهوم الدقيق الذي يجب أن يدركه كل مؤمن ، وهو أن الأمر كله لله عز وجل، يحكم بما يشاء وقت ما يشاء سبحانه وتعالى، هو المتصرف في خلقه وملكوته، ولا راد لقضائه ، قال سبحانه: ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) البقرة :142 وطمأن الله عز وجل المؤمنين على صلاة أولئك الذين ماتوا قبل ذلك، وعلى صلاتهم هم أنفسهم ، قال الله عز وجل : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) البقرة :143 وعلى أي حال فأينما تولوا فثم وجه الله .
إذاً : كانت اختبارات شهر شعبان كانت مكثفة وكبيرة جداً ، ويوحي هذا بوضوح أن المسلمين يقتربون من حدث مهم لا يمكن أن يخرج له إلا المؤمنون حقاً . لذلك كانت الاختبارات متكررة في هذا الشهر الكريم ، هذا الحدث هو لقاء الكافرين مع المسلمين في غزوة بدر الكبرى ، وتسمى هذه الغزوة بيوم الفرقان ، وإلى هذا الوقت لم تمض على المدينة إلا سنتان تحت قيادة الرسول ﷺ ، لكن الوضع في المدينة المنورة لم يكن مستقراً أبداً فهناك طوائف شتى من المشركين من الأوس والخزرج ، وهناك اليهود ، وهناك قريش و ، وهناك قبائل الأعراب المحيطة بالمدينة والتي عاشت على السلب والنهب، فهي عصابات إجرامية، وظهور دعوة أخلاقية كدعوة الإسلام في هذا المكان تحجم كثيراً من العادات السيئة والنهب والسلب، وهذا مما لا شك فيه سيجلب أذى هذه القبائل، فالأوضاع لم تكن مستقرة أبداً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *