الرئيسيةمقالاتالنقد الأدبي: فلسفته وغاياته
مقالات

النقد الأدبي: فلسفته وغاياته

النقد الأدبي: فلسفته وغاياته

بقلم عدنان الطائي

الباحث والناقد الأديب

منذ أن بدأ الإنسان وعيه الأول بذاته وبالعالم من حوله، وهو يخوض صراعًا دائمًا مع التناقضات، محاولًا أن يفهم معنى وجوده ويكشف قوانين الحياة التي تحكمه. وكان الأدب، منذ الحكاية الأسطورية الأولى حتى الرواية المعاصرة، إحدى أدوات هذا الكشف، بل لعلّه الأداة الأصدق في التعبير عن قلق الإنسان وسعيه نحو المعنى.

لم يكن الأدب في يوم من الأيام مجرد ترف لغوي أو تزيين لفظي للواقع، بل كان دومًا محاولة لإعادة تشكيل العالم في صورة أكثر وضوحًا وعمقًا. ومن هذا المنطلق نشأت الواقعية، لا بوصفها مصطلحًا حديثًا فحسب، بل باعتبارها نزعة قديمة قِدم التعبير الإنساني نفسه. فالإنسان حين عبّر عن وجدانه، عبّر عن واقعه، مرة تصويرًا مباشرًا، وأخرى توظيفًا له في الدفاع أو النقد أو الإصلاح.

غير أن الواقعية، في معناها الفني، ليست مرآة صمّاء تعكس الواقع كما هو، بل هي فعل تحويل وإعادة تركيب. فالفنان لا ينسخ الحياة، بل يعيد صياغتها ليكشف جوهرها. إنه ينتقي من تفاصيلها ما يضيء الحقيقة الإنسانية، ويمنحها شكلاً جمالياً يتيح إدراكها بعمق أكبر. وهنا تتمايز حقيقة الفن عن حقيقة الحياة: فالأولى مُعاد تشكيلها وفق رؤية، بينما الثانية معطى خام.

ومن ثمّ، فإن قوة العمل الأدبي لا تقاس بمدى مطابقته للواقع الظاهري، بل بقدرته على النفاذ إلى مغزاه الأخلاقي والإنساني. وكلما اشتدت صلة الفنان بواقعه، كانت استنتاجاته الجمالية أكثر صدقًا وجدوى. فالأدب الواقعي الحق لا يكتفي برصد الانحطاط أو التناقض، بل يكشف علله ويوقظ في الإنسان حسّ التضامن والمسؤولية.

وفي عصرنا المتشابك، حيث تتجاور أقصى درجات الحضارة مع أقصى درجات الفقر والحرمان، يغدو الأدب التقدمي ملزمًا بالدفاع عن كرامة الإنسان ضد كل أشكال الاستلاب، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم نفسية. ذلك أن شعبًا يضطهد شعبًا آخر لا يمكن أن يكون حرًا، كما أن السيد والعبد كلاهما مقيد بسلسلة العبودية نفسها. وهنا تتجلى الغاية الأخلاقية للأدب بوصفه حارسًا للقيم الإنسانية في وجه العقلانية المفرطة والبراغماتية التي تحوّلت إلى غاية في ذاتها.

غير أن الحديث عن وظيفة الأدب يقودنا حتمًا إلى الحديث عن النقد، لأن النقد هو الوعي المنهجي بهذه الوظيفة. فإذا كان الأدب فنًا لغويًا، فإن النقد هو العلم الذي يحدد أصول هذا الفن، ويكشف جمالياته، ويميز بين أصالته وادعائه.

النقد ليس تعليقًا خارجيًا على النص، بل قراءة متأملة من داخله، تستكشف بنيته، وتفكك علاقاته، وتعيد بناء معناه. وهو في هذا المعنى محور الأصول الأدبية ومركزها، إذ بدونه تظل التجربة الأدبية بلا تأطير معرفي.

وتبرز هنا جدلية أساسية في العمل الأدبي: جدلية الذات والموضوع. فالكاتب يستمد مادته الأولى من حياته وتجربته، غير أن عليه في الوقت نفسه أن يحرر شخصياته من هيمنة ذاته، ليمنحها استقلالها الفني. فالموضوعية في الفن لا تعني إلغاء الذات، بل تحويلها إلى طاقة خالقة قادرة على تشريح نفسها كما تشرّح الآخر، دون مجاملة أو دفاع.

ومن هذا المنظور نفهم أهمية ما اصطلح عليه ت. س. إليوت بـ”المعادل الموضوعي” (Objective Correlative)، أي إيجاد صيغة فنية خارجية تعادل الانفعال الداخلي وتعبر عنه بدقة. فالشعر ليس سكبًا مباشرًا للعاطفة، بل بناءٌ محكمٌ لمعادلات رمزية تثير في القارئ عاطفة مشابهة لما عاشه الشاعر. وهنا يصبح الفن نوعًا من “رياضيات ملهمة” للعواطف البشرية.

ولا يتحقق الأثر الجمالي إلا حين تُترجم العاطفة إلى موضوع، أي حين يجد الشعور صيغته الموضوعية في صورة أو حدث أو رمز. فالإحساس الذي تمنحنا إياه الحياة يختلف عن الإحساس الذي يولده الفن، لأن الفن ينقله من الفوضى إلى النظام، ومن العفوية إلى التشكيل.

وإذا كانت بعض المدارس – كالرمزية – قد آثرت الإيحاء على التصريح، فإن ذلك لا يلغي ضرورة التوازن بين الغموض والوضوح، بين الرمز والحقيقة. فالغموض الفني ليس تعمية، بل توسيع لأفق المعنى، بحيث يعود القارئ إلى النص مرارًا، مكتشفًا طبقات جديدة من الدلالة.

إن العلاقة بين الموقف (Situation) والعاطفة (Emotion) هي جوهر العملية الإبداعية. فالعاطفة الثابتة في ذات الشاعر تتحول، عبر اللغة والصورة، إلى شعور موضوعي قابل للتلقي. لكن استجابة المتلقي ليست آلية، لأنها ترتبط بثقافته وخبرته ووعيه. لذلك لا يستطيع الفنان – مهما بلغ من المهارة – أن يفرض استجابة واحدة على جميع قرائه.

وهكذا نصل إلى أن فلسفة النقد الأدبي لا تنفصل عن غاياته الإنسانية. فالنقد ليس ترفًا معرفيًا، ولا تصنيفًا شكليًا، بل هو دفاع عن المعنى، وعن القيم التي تمنح الإنسان كرامته. والأدب، حين يستند إلى واقعية واعية، ويتأسس على رؤية نقدية عميقة، يصبح قوة خالقة للمفاهيم التي يعيد الناس تشكيل حياتهم على هديها.

إن غاية النقد، في نهاية المطاف، ليست محاكمة النصوص فحسب، بل حماية الإنسان في النص، وحماية النص من الابتذال، وحماية الوعي من السطحية. ومن هنا يبقى الأدب، ومعه النقد، أحد أسمى تجليات الروح الإنسانية في سعيها الدائم نحو الحرية والحقيقة والجمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *