قراءة في رواية ( بونابرته)
للكاتب/ نشأت المصري
بقلم / روشان صفا

في قراءة لرواية “بونابرته” للكاتب الصحفي نشأت المصري قدم للقارئ سرداً تاريخياً حياً للحملة الفرنسية على مصر (1798–1801)، في كشف حديث لأفكار نابليون بونابرت وأهدافه التي كان يسعى لتحقيقها أثناء غزوه لمصر ولم يذكرها التاريخ المعاصر وجنوده، مع إبراز مقاومة الشعب المصري. تكشف الرواية تناقضات الغزو الفرنسي الذي ادعى حضارته بينما مارس نهباً دموياً، وكشف خداع المحتل الذي تظاهر بحماية الإسلام بينما دنس الأزهر بخيوله. ، وهدم المساجد وأقام بدلا عنها حانات لشرب الخمر ومن أشهرها مسجد الرويعي الذي هدمه الفرنسيس و أقام على أنقاده حانة الرويعي,
وعن عتبة النص، أطلق نشأت المصري أسم ( بونابرته) عتبة لروايته وهو الأسم الذي كان يطلقه المصريون على نابليون بونابرت، أسموه بونابرته وكأنه أنثى وهو أسلوب المصريين في الإستهزاء والسخرية بمن يكرهون وهي بذرة المقاومة، لم يسخر المصريون من رجل إلا وخلعوه و أشعلوا المقاومة ضده وهو ديدن الشعب المصري على الرغم من ضعفه.
استهل الرواية بإهداء غارق في الرمزية، وهو ” إلى الليل الطويل ” وهو ليل مصر، الذي غاص في حواريها وأزقتها لينقل لنا كيف واجه المصريون، الحملة الفرنسية. قدم نشأت المصري للقاءئ جرعات من الوعي عندما كشف لنا ما كان يدور في عقل المحتل الذي أغرته قوته العسكرية، والعلم الذي تسلح به، وجهل الشعب المصر بوسائل العلم الحديثة، الذي كان بونابرت مطمئن لجهل المصريين وهو يأمر جنوده بالإمعان في التنكيل بالمصريين، ولم يخطئ بونابرت لأن مصر في ذاك الزمن كانت تغط في جهل عميق، بعد أن بقيت أزمنة طويلة تحت حكم المماليك، الذين نهبوا ثرواتها وخيراتها، واستعبدوا أهلها، ولم يهتموا بالعلم وصناعة السلاح، مما هيأ للمحتل الفرنسي أرض خصبة نبت فيها الضعف والهوان والقتل الا محدود في أبناء مصر، دخل الجيش الفرنسي ولم يجد جيشا يقف على الثغور ليحمي مصر، وبعد ان دخل مقاومة شعبية تحمل السلاح الأبيض والصدور العارية، سقط ألاف من زهرة شباب مصر، كانت توجيهات نابليون بعدم إحضار زوجات العسكر معهم، لأن بنات مصر ونساءها جميلات، كانوا ينهبون صدور الفتيات وما تحمل من نهود وعقود ذهبية ..
نهبوا ثروات كل من قابلهم من المشايخ والوجهاء وفلول المماليك، كذبوا على المصريين بأسم الإسلام مدعين أنهم جائوا للحفاظ عليه بعد أن دنسوا أزهره بخيولهم …
قدم لنا الكاتب الكبير نشأت المصري أحد عشرة لوحة بديعة، رسم بالكلمات كل معركة خاضها المصريون ببسالة وحدهم بلا مدد من المملوكي مراد بيك الذي هرب للصعيد وترك قصره المفعم بالتحف والنجف، وسكنه بونابرته.
دقة التعبيرعن الألم حين وصف إحساس المصريين بعد مقتل الشهيد محمد كريم، بعد قائمة التهم التي وجهها له بونابرت تلك التهم التي استمرت عبرالتاريخ، ووجهها المحتل لكل محب لوطنه ودينه، وكانت تكدير السلم العام ، محاولة قلب نظام حكم نابليون، التخابر بالاتصال بأعداء نظام نابليون في الداخل والخارج، دعم المقاومة ضد فرنسا العظمى، كيف أبكي القارئ معه حزنا على مقتل محمد كريم، حين قال ،،
أتشح النسيم بالسواد حدادا على استشهاد محمد كريم وبكى الندى و كانت السواقي النائحة تبكي مع المصريين, كانت اللوحات تصف لنا معركة إمبابة ومعركة بولاق، وكيف كان نابليون يقتل المصريين ويمعن في قتلهم لبث الرعب والخوف من مقاومة المحتل،
وكشف لنا كيف ينظر بونابرت للعملاء والجواسيس يعقوب وحافظ والبكري الذي قدم إبنته له كخليلة فراش ،،
هدم المساجد وأقام بدلا عنها المواخير، ومن أشهرها مسجد الرويعي وبنى بدلا عنه خمارة الرويعي. رمز لمصر المقاومة بفتاة شابة وهي أبنة مصطفى الأعرج و تلك الشخصية التي رسمها نشأت المصري ببراعة من وحي وجدان مصر الأبية التي تغنى لها الشعراء وكتب عنها المؤرخين بأسم بهية ..تلك البهية قاومت وقتلت الخنزير الفرنسي.
كم كان حزن رجال المقاومة كبيرا حين استباح الترك والإنجليز والفرنسيس أرض مصر ليتقاتلوا عليها، لم تهدأ المقاومة الشعبية في محاربة وقتل الفرنسي الذي ضرب الأهرامات بنعله وكسر أنف أبو الهول، ورحل بونابرت حين قامت الثورة عليه في وطنه وبعد هزيمته في أرض الشام، رحل متخفيا قاتلا لأصدقاءه وخدمه قبل أعداءه ..هو ليس أسطورة عظيمة كما صوره المؤرخين في كتبهم بل هو طامع غادر مغتصب للأرض والعرض ..ولولا الضعف والجهل والحاكم الفاسد لما قتل مصري واحد ولغرقت هذه الحملة في البحر قبل أن تدخل شواطئ العجمي . قال نابليون ” ضريبة المجد لونها أحمر” وقد دفعها المصريون ودحروا الغزاة .

