بقلم: عبد المجيد عبوبي ـ المغرب
تضطلع شبكة نايل الإخبارية، إلى جانب مختلف المنابر الصحفية العربية، بدور مهم في مواكبة القضايا التي تشغل الرأي العام،
وفتح المجال أمام الكلمة المسؤولة والتحليل الهادئ. فالصحافة ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هي فضاء لصناعة الوعي،
وتقريب وجهات النظر، وتعريف الشعوب بعضها ببعض، والدفاع عن القضايا المشتركة.
ومن هذا المنطلق، تساهم الصحافة العربية في بناء جسور التواصل بين أبناء الأمة، حين تمنح القارئ فرصة التعرف إلى تجارب الشعوب العربية، ومشكلاتها،
وطاقاتها الإبداعية، وتاريخها الثقافي. كما تستطيع أن تواجه خطاب الكراهية،
وتصحح الصور النمطية، وتفرق بين الخلاف السياسي والروابط الإنسانية التي تجمع الشعوب.
يحتاج دائماً إلى سند ثقافي وإنساني يقرّب الشعوب من بعضها
وإذا كانت الدول العربية منضوية تحت لواء جامعة الدول العربية، فإن هذا الإطار السياسي يحتاج دائماً إلى سند ثقافي وإنساني يقرّب الشعوب من بعضها بعضاً.
فالجامعة العربية تجمع الدول في مؤسسة مشتركة، أما الصحافة والكاتب والفنان فيجمعون الناس في فضاء العقل والوجدان.
ومن خلال الكلمة والصورة واللحن والمشهد، يستطيعون الوصول إلى المواطن العربي في بيته، والتأثير في إحساسه، وترسيخ القواسم المشتركة التي تجمع أبناء الأمة.
في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتعدد فيه الأزمات، وتشتد فيه الخلافات بين أبناء الأمة العربية، تبرز الحاجة إلى صوت الكاتب والفنان بوصفهما ضميراً حياً، ومسؤولين عن الدفاع عن قيم الحوار والتفاهم والتقارب.
فالكاتب لا يكتفي بوصف الواقع، والفنان لا يكتفي بتقديم الجمال، بل يسهم كل واحد منهما في تشكيل الوعي، وتوجيه المشاعر، وفتح نوافذ الأمل أمام الشعوب.
ضرورة حضور الفن في البيوت العربية
لم يعد حضور الفن داخل البيوت العربية ترفاً أو مظهراً من مظاهر الرفاهية، بل أصبح ضرورة تربوية وثقافية وإنسانية.
فالبيت الذي يحتضن الموسيقى الراقية، والشعر، والرسم، والمسرح، والسينما الهادفة، يفتح أمام أفراده أبواباً واسعة للتعبير والتذوق والحوار،
ويمنح الأطفال والشباب فرصة لاكتشاف ذواتهم وفهم العالم من حولهم.
إن الفن لا ينبغي أن يبقى محصوراً في المسارح وقاعات العرض والمهرجانات، بل يجب أن يكون جزءاً من الحياة اليومية.
فحين تجتمع الأسرة حول أغنية عربية أصيلة، أو تقرأ قصيدة، أو تشاهد عملاً فنياً يحمل رسالة إنسانية، فإنها لا تستهلك الفن فقط، بل تشارك في بناء وعي ثقافي مشترك.
لقد عرفت البيوت العربية، في مراحل مختلفة، حضوراً قوياً للفن. كانت الأسرة تجتمع حول الأغنية، وتتبادل القصائد، وتتابع الأعمال المسرحية والدرامية،
وتستمع إلى الحكايات الشعبية والسير التاريخية. وكانت تلك اللحظات تصنع ذاكرة جماعية، وتمنح أفراد الأسرة لغة مشتركة يتواصلون من خلالها بعيداً عن التوتر والانقسام.
واليوم، وفي ظل انتشار وسائل الاتصال الحديثة، أصبحت الحاجة أكبر إلى إعادة الفن إلى البيت، لا بوصفه وسيلة للهروب من الواقع، بل باعتباره وسيلة لفهمه وتغييره.
فالفن الهادف يساعد الطفل على تنمية الخيال، ويمنح الشاب قدرة أكبر على التفكير والتساؤل، كما يخفف عن الكبار أعباء الحياة وضغوطها،
ويعيد إلى الأسرة شيئاً من دفء الحوار الذي تراجع أمام العزلة والانشغال.
المثقف العضوي ومسؤولية الوعي
يرتبط هذا الدور بما طرحه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي حول مفهوم المثقف العضوي. فالمثقف، في هذا التصور، ليس شخصاً منعزلاً عن المجتمع،
ولا مجرد منتج للأفكار داخل فضاء مغلق، بل هو إنسان مرتبط بقضايا الناس، يشارك في تشكيل وعيهم، ويدافع عن مصالحهم، ويسهم في تطوير حياتهم الثقافية والاجتماعية.
والمثقف العضوي لا يكتفي بالحديث عن المجتمع من بعيد، بل يعيش قضاياه، وينصت إلى معاناة أفراده، ويجعل المعرفة مرتبطة بحياة الناس ومشكلاتهم. ومن هذا المنظور،
فإن الكاتب والفنان مطالبان بأن يكونا قريبين من المجتمع، وأن يحولا الإبداع إلى وسيلة للتنوير، والتعبير، وبناء الثقة بين الشعوب.
فالكاتب العربي العضوي لا يكتب لجمهور محلي ضيق، حتى عندما يتناول قضية تخص بلده، لأن ما يعيشه بلد عربي من أسئلة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية قد يجد صداه في بلدان عربية أخرى.
فالفقر والعدالة والحرية والهجرة والهوية والكرامة قضايا تتجاوز الحدود، وتمنح الكتابة قدرة على بناء حوار عربي واسع حول الإنسان ومشكلاته وتطلعاته.
كما أن الكاتب العضوي لا يتخلى عن خصوصية وطنه، لكنه يربطها بالمشترك العربي، ويجعل من الكتابة وسيلة للتعريف بالآخر، ومقاومة الصور النمطية، وتصحيح الأحكام المسبقة.
وهو يرفض الخطابات التي تحول الاختلاف بين الدول والشعوب إلى عداوة دائمة، ويفرق بين نقد السياسات والإساءة إلى الشعوب.
الفن لغة مشتركة بين العرب
يمتلك العرب رصيداً فنياً وثقافياً غنياً، يمتد من الشعر والموسيقى إلى المسرح والسينما والفنون الشعبية. وعلى الرغم من اختلاف اللهجات والبيئات والتجارب التاريخية،
فإن الفن استطاع دائماً أن يكشف القواسم المشتركة بين الشعوب العربية، وأن يجعلها تتقاسم الفرح والحزن والحنين والأمل.
فالأغنية العربية تجاوزت الحدود السياسية والجغرافية، ووصلت إلى مختلف البيوت العربية. كما أن الشعر ظل مساحة للتعبير عن القضايا المشتركة، من الحب والحرية إلى فلسطين والعدالة والكرامة.
أما الدراما والسينما فقد قربتا بين المجتمعات، وجعلتا المشاهد يتعرف إلى عادات الشعوب الأخرى ولهجاتها وتفاصيل حياتها اليومية.
ولهذا فإن الفن قادر على بناء جسور بين الشعوب بطريقة لا تستطيع السياسة وحدها أن تحققها. فحين يتعرف المغربي إلى الموسيقى العراقية، ويستمع المصري إلى الملحون المغربي،
ويتابع الجزائري مسرحاً من بلاد الشام، ويقرأ العربي في المشرق أدب المغرب، فإن المسافة النفسية بين الجميع تضيق، ويكتشفون أنهم ينتمون إلى فضاء إنساني وثقافي واسع.
الجامعة العربية والثقافة المشتركة
إن جامعة الدول العربية لا ينبغي أن تظل إطاراً للتنسيق السياسي فقط، بل يجب أن تكون أيضاً فضاءً لدعم الثقافة والفنون والإبداع.
فالتعاون العربي الحقيقي لا يكتمل من دون تبادل الكتب، وترجمة الأعمال الأدبية، وتنظيم المهرجانات المشتركة، وتشجيع الإنتاج السينمائي والمسرحي والموسيقي، وتيسير انتقال الكتاب والفنانين بين البلدان العربية.
ومن المهم أن تضع الجامعة العربية برامج ثقافية تهدف إلى تعريف الشعوب بعضها ببعض، وإبراز التنوع داخل العالم العربي،
وتشجيع الأجيال الجديدة على اكتشاف تاريخها المشترك. فالمعرفة المتبادلة تقلل الأحكام المسبقة، وتواجه الخطابات التي تزرع الكراهية،
وتمنح المواطن العربي صورة أكثر توازناً عن أشقائه في البلدان الأخرى.
إن الجامعة العربية تمثل الإطار الرسمي، لكن الثقافة تمنح هذا الإطار روحاً حقيقية. فالاتفاقيات والقرارات تظل محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى علاقات إنسانية بين الشعوب.
ومن هنا تأتي أهمية الصحافة والكاتب والفنان، لأنهم قادرون على تحويل الانتماء العربي من فكرة سياسية إلى إحساس يومي يعيش في الذاكرة والوجدان.
بناء جسور بين الشعوب
إن الكاتب والفنان والصحفي لا يلغون الاختلاف، بل يجعلونه فرصة للتعارف. فالمهرجانات العربية، ومعارض الفن،
وملتقيات الشعر، والندوات الأدبية، والأعمال المشتركة، ليست مجرد مناسبات احتفالية، بل فضاءات للتواصل واكتشاف التجارب الإنسانية المتنوعة.
وقد تكون أغنية عن الغربة قادرة على جمع المغربي والمصري والعراقي والشامي حول إحساس واحد، وقد تجعل رواية عن أسرة بسيطة قارئاً في بلد عربي بعيد يكتشف تفاصيل قريبة من حياته.
كما يستطيع عمل مسرحي أو سينمائي أن يفتح حواراً حول قضايا مشتركة، وأن يحول التجربة المحلية إلى رسالة إنسانية واسعة.
إن بناء جسور بين الشعوب العربية يبدأ من التفاصيل الصغيرة: خبر ينقل الحقيقة، ومقال يفتح باب الحوار، وأغنية تُسمع داخل بيت، وقصيدة تُقرأ لطفل، ولوحة تُعلّق على جدار، وحكاية تُروى عن بلد عربي شقيق.
ومن هذه التفاصيل تتشكل ذاكرة مشتركة، وينمو وعي جديد يرى في الاختلاف ثراءً، وفي الصحافة والثقافة طريقاً إلى التقارب، وفي الفن لغة قادرة على جمع ما تفرقه السياسة والمسافات.
وفي النهاية، إذا كانت جامعة الدول العربية تجمع الدول في إطار سياسي، فإن الصحافة والكاتب والفنان يجمعون الشعوب في فضاء العقل والوجدان.
وقد تعجز السياسة أحياناً عن فتح الأبواب، لكن خبراً مهنياً، أو مقالاً صادقاً، أو قصيدة عميقة، أو أغنية مؤثرة، أو عملاً فنياً إنسانياً، قادر على أن يمد جسراً بين القلوب،
ويعيد إلى العرب الإحساس بأن اختلافهم لا يلغي وحدتهم، وأن ما يجمعهم أعمق وأبقى مما يفرقهم.

