☺️مهمة إسمها مصر
كتب. ابراهيم الطير
قصة الشهيد العميل 1001
في خريف عام 1969
كانت القاهرة تعيش أياما ثقيلة بعد نكسة يونيو
وكانت مصر تستعد لمرحلة جديدة من الصراع
وفي أحد بيوت القاهرة كانت أم تودع ابنها دون أن تعرف أنها تراه للمرة الأخيرة
كان اسمه عمرو مصطفى طلبة
شابا في العشرينات من عمره
طالبا متفوقا في كلية الهندسة
يحلم بحياة عادية ومستقبل هادئ
لكن القدر كان قد اختار له طريقا مختلفا تماما
طريقا لن يعرف أحد تفاصيله إلا بعد سنوات
خرج عمرو من بيته ولم يكن يعلم أن حياته القديمة انتهت في تلك اللحظة
فمنذ ذلك اليوم لم يعد عمرو أمام العالم
أصبح شخصا آخر
اسما آخر
وهوية أخرى
وحياة كاملة يعيشها داخل صفوف العدو
الوداع
في أحد المواقع السرية كان عمرو يقف أمام ضابط من رجال المخابرات
كان يسمع التعليمات وهو يدرك أن المهمة التي سيذهب إليها ليست مهمة عادية
قال له الضابط
من هذه اللحظة لن تكون عمرو
ستكون موشيه زكي رافي
شابا يهوديا له قصة وهوية وماض مختلف
عليك أن تنسى نفسك القديمة
وأن تتقن الشخصية الجديدة حتى لا يشك فيك أحد
بدأ التدريب
العبرية
العادات
الطقوس
طرق التعامل
الاتصالات
الشفرات
وكل شيء يمكن أن يساعده على العيش داخل مجتمع العدو دون أن تنكشف حقيقته
لكن كان هناك شيء واحد لم يستطع التدريب أن يجعله سهلا
الأم
كان عليه أن يجعل أمه تظن أنه تغير
أن تراه شابا متمردا
أن تظن أنه لم يعد يهتم بأسرته
كان عليه أن يصنع حول نفسه صورة الابن العاق حتى يصبح اختفاؤه فيما بعد أمرا يمكن تصديقه
وكان ذلك أقسى من مواجهة الموت
كان يعود إلى أمه ثم يغادر وهو يخفي دموعه
كانت تنظر إليه ولا تعرف لماذا تغير
وكان هو يعرف الحقيقة
يعرف أنه سيغادر إلى مكان قد لا يعود منه أبدا
وفي آخر زيارة له
وقف أمامها طويلا
تأمل وجهها
كان يريد أن يحتضنها
كان يريد أن يقول لها كل شيء
لكن الكلمات كانت ممنوعة
والسر أكبر من أن يقال
اكتفى بنظرة طويلة
ثم استدار وخرج
خرج من البيت وقلبه يتمزق
وترك خلفه أما لا تعرف أن ابنها لم يكن ذاهبا إلى الغربة بحثا عن المال أو المستقبل
بل كان ذاهبا إلى قلب العدو
الولادة الثانية
بدأت الرحلة
لم يعد عمرو
أصبح موشيه
وتحولت حياته إلى سلسلة من الاختبارات
كان عليه أن يتحدث بالعبرية بطلاقة
وأن يعرف تفاصيل الحياة اليومية
وأن يحفظ ما يكفي من الطقوس والعادات حتى يعيش وسط الإسرائيليين دون أن يثير الشك
ثم بدأت رحلة الوصول إلى إسرائيل
وهناك كان عليه أن يثبت أنه الشخص الذي يدعي أنه هو
لم يكن أمامه مجال للخطأ
نظرة واحدة في غير مكانها
كلمة واحدة بلهجة مختلفة
تصرف واحد غير محسوب
كان يمكن أن ينهي كل شيء
لكنه نجح
اندماج تدريجي
ثم حياة جديدة
ثم وصول إلى المؤسسة العسكرية
وهنا بدأت أخطر مرحلة في المهمة
لقد أصبح داخل الجيش الإسرائيلي
لم يعد مجرد شخص يعيش بين الإسرائيليين
بل أصبح قريبا من المعلومات العسكرية
ثم جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء
تم نقله إلى منطقة الجبهة
إلى خط بارليف
ذلك الخط الذي كانت إسرائيل تقدمه للعالم باعتباره حصنا لا يمكن اختراقه
وهناك أصبح عمرو أقرب إلى أسرار العدو من أي وقت مضى
عين مصر داخل خط بارليف
في النهار كان يرتدي الزي العسكري الإسرائيلي
يسير بين الجنود
يتحدث بلغتهم
ويؤدي التحية للضباط
وكان من حوله يظنون أنه واحد منهم
لكنهم لم يعرفوا الحقيقة
لم يعرفوا أن الرجل الذي يقف بينهم يحمل قلبا مصريا
وأن عينيه تبحثان عن كل معلومة يمكن أن تفيد بلاده
ومع حلول الليل كان كل شيء يتغير
حين تهدأ الحركة
وحين يدخل الجنود إلى مواقعهم
كان يبدأ الجزء الأخطر من مهمته
جهاز اتصال
رسائل مشفرة
معلومات عن المواقع
تحركات القوات
التحصينات
مخازن الذخيرة
ومواقع الأسلحة
كانت كل معلومة تخرج من هناك تحمل معها احتمالا جديدا لإنقاذ حياة جندي مصري
وكان عمرو يعرف أن خطأ واحدا قد يقوده إلى الموت
كان يعيش بين عدو يثق به
ووطن ينتظر منه المعلومات
وكان عليه أن يؤدي الدور حتى النهاية
لا أحد يستطيع أن يعرف أنه مصري
ولا أحد يستطيع أن يعرف أن ولاءه لمصر
الوحدة
كان يعيش حياة لا يستطيع أن يحكي عنها لأحد
إذا مرض لا يستطيع أن يقول إنه يشتاق إلى أمه
إذا خاف لا يستطيع أن يظهر خوفه
وإذا اشتاق إلى القاهرة فلا يستطيع أن يتحدث عنها
كان عليه أن يبتسم مع من يظنون أنه واحد منهم
وأن يجلس معهم
وأن يسمع أحاديثهم
بينما كان في داخله صوت واحد فقط
مصر
كانت أصعب لحظات المهمة حين يتذكر أمه
الأم التي خرج من بيتها وهي تظن أن ابنها تغير
الأم التي لم تعرف أن وراء ذلك التغير مهمة سرية
وأن ابنها يخاطر بحياته من أجل بلده
كان عمرو يعيش الغربة مرتين
غربة عن الوطن
وغربة عن نفسه
لكنه كان يعرف لماذا تحمل كل ذلك
كان يعرف أن هناك آلاف الجنود المصريين ينتظرون يوما تعود فيه الأرض إلى أصحابها
الخامس من أكتوبر
جاء الخامس من أكتوبر عام 1973
كانت المنطقة تعيش توترا غير عادي
شيء كبير يقترب
وفي القاهرة كانت ساعة الصفر تقترب
أما داخل إسرائيل فكانت التحركات العسكرية تشير إلى أن الحرب أصبحت مسألة وقت
كان عمرو يعرف أن اللحظة الحاسمة اقتربت
وكان يعرف أيضا أن مهمته أصبحت أخطر من أي وقت مضى
فإذا بدأت الحرب
فإن المنطقة التي يوجد فيها ستتحول إلى جحيم
كان يمكن أن ينسحب
وكان يمكن أن يبحث عن طريق للنجاة
لكن هناك لحظات في حياة الإنسان يصبح فيها الواجب أقوى من غريزة البقاء
وكانت تلك واحدة من تلك اللحظات
السادس من أكتوبر
الساعة الثانية ظهرا
انطلقت الضربة
وفجأة تحولت السماء إلى نار
طائرات مصرية تعبر
مدفعية تضرب
جنود يتحركون
وقناة السويس التي ظلت لسنوات فاصلا بين مصر وأرضها تتحول إلى طريق للعبور
بدأت ملحمة السادس من أكتوبر
وفي الوقت الذي كان فيه جنود العدو يبحثون عن الملاجئ
كان عمرو في قلب الخطر
لم يكن أمامه سوى أن يكمل المهمة
كان يعرف أن الحرب بدأت
وأن كل معلومة يمكن أن تكون لها قيمة
وأن الدقائق القادمة قد تكون الأخيرة في حياته
اشتد القصف
وتحولت المواقع إلى نار ودخان
لكن عمرو لم يفكر في الهرب
كان يفكر في مصر
كان يريد أن يؤدي مهمته حتى النهاية
حتى جاءت اللحظة التي سقط فيها
سقط جسده على أرض المعركة
لكن الرجل الذي عاش سنوات باسم آخر
مات وهو يحمل في داخله اسما واحدا
عمرو
اسم مصري
وقلب مصري
ووطن واحد
مصر
العودة
انتهت المعركة
وتقدمت القوات المصرية
وعاد العلم المصري يرفرف فوق أرض كانت محتلة
لكن في مكان ما خلف خطوط المعركة كان هناك رجل لم يكن من السهل تركه
رجل عاش سنوات داخل العدو
رجل تحمل الوحدة والخوف والغربة
رجل لم يستطع أن يقول لأمه الحقيقة
كان لابد أن يعود
لم تكن عودته عودة جندي عادي
كانت عودة قصة كاملة
قصة رجل عاش باسم آخر
ودخل إلى قلب العدو
وظل يحمل سره حتى النهاية
وعندما وصلت الحقيقة إلى أسرته
انهارت كل الحواجز
الأم التي كانت تظن أن ابنها تغير
عرفت الحقيقة
عرفت أن ابنها لم يكن عاقا
ولم يكن قد تخلى عنها
ولم يكن قد نسي بيته
كان يؤدي مهمة من أجل مصر
سنوات كاملة من الألم تحولت في لحظة إلى فخر
الدموع التي نزلت من عينيها لم تكن دموع أم فقدت ابنها فقط
كانت دموع أم اكتشفت أن ابنها عاش ومات وهو يحمل وطنه في قلبه
النهاية
هناك رجال يموتون مرة واحدة
وهناك رجال يموتون بأسمائهم الحقيقية ثم تعود أسماؤهم إلى الحياة في ذاكرة الوطن
كان عمرو واحدا من هؤلاء
عاش سنوات في قلب العدو
ارتدى زيهم
وتحدث بلغتهم
وعاش بينهم
لكن قلبه لم يعرف إلا مصر
لم يكن يستطيع أن يقول لأمه أين هو
ولم يكن يستطيع أن يخبر أصدقاءه بما يفعل
ولم يكن يستطيع حتى أن يعيش حياته الطبيعية
لأن هناك مهمة أكبر من الحياة نفسها
مهمة اسمها مصر
وهكذا انتهت رحلة الرجل الذي عرف باسم العميل 1001
لكن قصته لم تنته
فكلما ذكرت حرب أكتوبر
وكلما تحدث الناس عن رجال المخابرات المصرية
وكلما تذكرنا أولئك الذين عاشوا خلف خطوط العدو
تبقى هناك أسئلة كثيرة
كيف استطاع أن يعيش كل هذه السنوات باسم غير اسمه
كيف استطاع أن يخفي هويته
كيف استطاع أن ينظر في عيون العدو وهو يحمل في قلبه سر مصر
وربما كان الجواب بسيطا
لأن بعض الرجال لا يعيشون لأنفسهم
بل يعيشون من أجل وطنهم
وحين يأتي وقت التضحية
يقدمون حياتهم دون أن ينتظروا من أحد أن يعرف أسماءهم
رحل عمرو
لكن الاسم الذي أخفاه سنوات عاد إلى وطنه
وعاد معه سر رجل اختار أن يكون
عين مصر في قلب العدو
رحم الله شهداء مصر
ورحم كل من ضحى بحياته من أجل أن تبقى مصر حرة مستقلة

