صرخة صامتة في خريف العمر : عندما يصبح كبار السن بين جحود الرعاية و انتظار الموت
بقلم : وضحة الكفارنة
هل تنتهي صلاحية الإنسان في مجتمعاتنا بمجرد ظهور تجاعيد الزمن على وجهه؟
وهل تتحول تلك الخطوط المحفورة على الجبين
إلى حكم بالإعدام الاجتماعي والنفسي؟
في الوقت الذي تتسابق فيه المجتمعات الحديثة لتوفير سبل العبادة والراحة لجميع فئاتها، تتسلل إلى بعض البيوت والمستشفيات ظاهرة شديدة القسوة والخطورة.
تكشف عن انحدار قيمي مرعب تجاه الفئة التي أفنت عمرها في بناء أجيالنا وهم كبار السن.
لم يعد الأمر مقتصرًا على العقوق العاطفي أو الهجر للوالدين ،
بل تعداه إلى الإهمال الطبي المتعمد والتقصير في العلاج تحت ذريعة واهية ومقززة تتردد على لسان البعض هو كبير في السن، كلها سنة ولا سنتين وحيموت، حرام نصرف عليه .
هذه العبارة ليست مجرد قسوة عابرة، بل هي مؤشر خطير على تجرد من الإنسانية وتجرؤ غريب على الإرادة الإلهية.
لماذا أصبحنا بتلك القسوة التي تجعلنا نقيس قيمة الروح البشرية بعدد السنوات المتبقية لها؟
ولماذا وصلنا إلى هذا الحد من التدخل في الشؤون الإلهية بتحديد الأعمار، متناسين أن الأعمار بيد الله وحده .
تفكيك الظاهرة وأبعادها
التدخل في المشيئة الإلهية وحتمية الأقدار إن التفكير المنحط الذي يبني قرار علاج المريض أو إهماله بناءً على عمره هو تطاول صريح على علم الغيب؛
فالله سبحانه وتعالى هو المسؤول وحده عن تحديد الآجل،
وكثيراً ما رأينا شباباً في مقتبل العمر يرحلون فجأة، بينما يكتب الله لشيخ طاعن في السن الشفاء ليعيش سنوات طويلة بصحة وكرامة.
عندما يقرر الابن أو الطبيب أو الرائد الاجتماعي أن هذا المسن “لا يستحق العناء” لأنه شارف على الموت،
فهو يضع نفسه في مقام المشرّع للأعمار، وهو ذنب قيمي وعقائدي جسيم.
النظرة المادية النفعية للإنسان : لماذا وصلنا إلى هذا المستوى من التفكير؟
الإجابة تكمن في طغيان الرأسمالية والمادية على المشاعر الإنسانية.
أصبح البعض ينظر إلى الوالد أو الجد المسن على أنه “عبء مالي وجسدي” لا يرجى منه عائد أو منفعة مادية، متناسين القيمة الأخلاقية للبر والوفاء.
إن التقصير في تقديم الدواء أو منع الرعاية الطبية عن المسن بحجة أنه عاش نصيبه من الحياة هو قتل بطيء ومبطن بدافع الأنانية الشديدة .
الٱثار النفسيةوالجسدية على كبار السن
المسن ليس جسداً بلا مشاعر؛ إنه يرى، ويسمع، ويشعر بنظرات الاستثقال في عيون أبنائه أو من حوله.
عندما يشعر المسن بأن علاجه يُستكثر عليه، يدخل في حالة من الاكتئاب الحاد والرغبة في الموت، مما يسرّع من تدهور مناعته العضوية.
أليست مفارقة مؤلمة أن نقابل العطاء الطويل بالبخل في اللحظات الأخيرة التي يحتاجون فيها إلى لمسة حنان وجرعة دواء؟
وفي النهاية
أشير إلى إن كبار السن في مجتمعاتنا ليسوا أوراقاً خريفية ذابلة ننتظر سقوطها لنتخلص من عبئها، بل هم البركة والعمق الاستراتيجي والأخلاقي لكل أسرة.
إن التستر وراء عبارات “الأعمار بيد الله” لتبرير الإهمال الطبي هو نفاق قيمي؛ فالأعمار بيد الله نعم،
ولكن الله أمرنا بالأخذ بالأسباب ورعاية الضعفاء، وأحق الناس بالرعاية هم الوالدان ومن بلغوا الكِبر.
ويجب علينا كإعلام، ومؤسسات دينية، ومجتمع مدني أن نقف وقفة حاسمة ضد هذا الفكر المنحط،
وأن ندرك أن الدائرة تدور، وأن من يمارس القسوة اليوم مع والديه سيجرع من الكأس ذاته غداً.
الرعاية الطبية للمسن ليست تفضلاً ولا منّة، بل هي واجب شرعي، وإنساني، وقانوني، وردٌّ لجميلٍ لا يمكن أن تسقطه تجاعيد الزمن.

