اليوم العالمي للترجمة.. جسور اللغة التي تقرّب شعوب العالم
متابعة: د. أحمد علي عطية الله
في 30 سبتمبر من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للترجمة،
وهي مناسبة دولية تسلط الضوء على الدور الحيوي الذي يؤديه المترجمون والمتخصصون في اللغات في تقريب الشعوب،
وتيسير التواصل بين الثقافات، ونقل العلوم والمعارف والأفكار عبر الحدود.
وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم بموجب القرار رقم 71/288،
تقديرًا للدور الذي يؤديه المتخصصون في اللغة في مد جسور التواصل بين الحضارات، وتعزيز الحوار والتفاهم، ودعم السلام والتنمية المستدامة.
لماذا اختير يوم 30 سبتمبر؟
يرتبط اختيار هذا التاريخ بذكرى وفاة القديس جيروم عام 420 ميلادية، وهو من أبرز الشخصيات التاريخية المرتبطة بمهنة الترجمة.
وعُرف جيروم بترجمته أجزاء كبيرة من الكتاب المقدس إلى اللغة اللاتينية،
فيما عُرفت ترجمته لاحقًا باسم «الفولجاتا»، ولذلك ارتبط اسمه تاريخيًا بمهنة الترجمة وأصبح يُنظر إليه باعتباره شفيع المترجمين.
محطات مهمة في تاريخ اليوم العالمي للترجمة
مرت فكرة الاحتفاء بمهنة الترجمة بعدد من المحطات التاريخية المهمة، من أبرزها:
– عام 1953: أطلق الاتحاد الدولي للمترجمين (FIT) فكرة الاحتفاء بمهنة الترجمة.
– عام 1991: بدأ الاحتفال باليوم بهدف إظهار التضامن مع مجتمع الترجمة العالمي،
والتأكيد على أهمية الترجمة باعتبارها مهنة أساسية في عالم يتزايد فيه التواصل بين الشعوب.
– عام 2017: اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 سبتمبر يومًا دوليًا للترجمة.
الترجمة.. أكثر من مجرد نقل كلمات
لا تقتصر الترجمة على تحويل الكلمات من لغة إلى أخرى، وإنما تمتد إلى نقل الأفكار والثقافات والخبرات الإنسانية.
فالترجمة تتيح للباحث الوصول إلى مصادر علمية مكتوبة بلغات مختلفة،
وتمكّن المؤسسات من التواصل عبر الحدود، كما تفتح أمام الأدباء والقراء نافذة على ثقافات وتجارب إنسانية متنوعة.
ولهذا أصبح المترجم عنصرًا أساسيًا في مجالات متعددة، من بينها الاقتصاد والتعليم والعلوم والسياسة والإعلام والقانون والثقافة.
التعددية اللغوية في الأمم المتحدة
تُعد الأمم المتحدة من المؤسسات الدولية التي تعتمد بصورة كبيرة على المتخصصين في المجالات اللغوية،
حيث تضم منظومة العمل اللغوي بها مترجمين تحريريين، ومترجمين شفويين، ومحررين، ومعدي نسخ، ومتخصصين في المصطلحات.
وتؤدي هذه الكفاءات دورًا مهمًا في إتاحة التواصل بين ممثلي الدول والمنظمات المختلفة،
وضمان وصول الوثائق والمعلومات إلى المتحدثين باللغات المعتمدة في المنظمة.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. وثيقة عبرت مئات اللغات
ومن أبرز الأمثلة على قوة الترجمة وقدرتها على إيصال الرسائل الإنسانية إلى شعوب العالم،
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أصبح من أكثر الوثائق ترجمة في العالم، حيث تُرجم إلى مئات اللغات.
وهنا تتضح أهمية الترجمة باعتبارها وسيلة للوصول إلى المعرفة والحقوق والمبادئ الإنسانية، وليس مجرد نشاط لغوي محدود.
الترجمة في الحضارة العربية
وللترجمة حضور عميق في التاريخ والثقافة العربية، فقد لعبت دورًا بارزًا في نقل العلوم والفلسفة والمعارف بين الحضارات.
ومن أبرز المحطات التاريخية بيت الحكمة في بغداد، الذي ارتبط بالعصر الذهبي للحضارة العربية والإسلامية،
وشهد حركة واسعة لنقل وترجمة العلوم والفلسفة والمعارف من لغات وثقافات مختلفة إلى العربية.
وكانت هذه الحركة أحد روافد النهضة العلمية والفكرية، وأسهمت في حفظ معارف سابقة وتطويرها والبناء عليها.
رفاعة الطهطاوي وحركة الترجمة الحديثة
وفي مصر الحديثة، برز اسم الشيخ رفاعة الطهطاوي باعتباره أحد أهم رواد حركة الترجمة والتعليم والانفتاح المعرفي.
وقد أسهمت جهود الترجمة في عصر النهضة الحديثة في نقل العديد من العلوم والآداب والأفكار الحديثة،
وفتح مساحات جديدة للتواصل المعرفي بين مصر والعالم.
الترجمة.. لغة مشتركة بين الحضارات
ومع التطور الهائل في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، أصبحت الحاجة إلى الترجمة أكثر حضورًا من أي وقت مضى.
ففي عالم تتداخل فيه الأسواق والجامعات ومراكز البحث ووسائل الإعلام والثقافات،
تظل الترجمة إحدى الأدوات الأساسية التي تسمح للإنسان بأن يتجاوز حدود لغته، وأن يتعرف إلى تجارب الآخرين وأفكارهم.
وفي اليوم العالمي للترجمة، لا يكون الاحتفاء بالكلمات وحدها، وإنما بكل مترجم يعمل على بناء جسر بين لغتين،
وبكل لغة تفتح نافذة على ثقافة أخرى، وبكل فكرة استطاعت أن تعبر الحدود لتصل إلى إنسان لم يكن قادرًا على الوصول إليها دون الترجمة.
الترجمة ليست نقلًا للكلمات فقط.. إنها نقلٌ للمعرفة، وتقريبٌ للثقافات، وجسرٌ يصل الإنسان بالإنسان.
د. أحمد علي عطية الله

