رؤية بكين لحماية التنوع الديني من التوظيف السياسي.. هل يتكامل الدور الصيني مع وساطة الأزهر بين إيران والخليج؟
تحليل الدكتورة/ نادية حلمي
الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الحاكم في الصين والشؤون الآسيوية، والمحللة الاستخباراتية، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف.
تتجاوز قضية التنوع الديني في الشرق الأوسط حدود الاختلافات العقائدية، لتتصل بتشابكات السياسة والأمن والنفوذ الإقليمي. وفي ظل التوترات بين إيران ودول الخليج، وتداعيات الصراع في اليمن، يبرز تساؤل استراتيجي مهم: كيف يمكن حماية التعدد المذهبي والديني من التوظيف السياسي والتحريض، وهل تستطيع الدبلوماسية الصينية أن تتكامل مع الدور الديني والفكري للأزهر الشريف في دعم الحوار والتهدئة؟
تنطلق الرؤية الصينية للأمن الإقليمي من مجموعة من المبادئ المعلنة، أبرزها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتسوية النزاعات عبر الحوار، وربط الاستقرار بالتنمية المستدامة. وتنسجم هذه المبادئ مع توجه بكين إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع الأطراف الإقليمية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وإيران، وحماية مصالحها الاقتصادية والتجارية وممرات الطاقة والملاحة الدولية.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تجربة استئناف العلاقات السعودية الإيرانية برعاية صينية في مارس 2023 باعتبارها نموذجًا مهمًا لاستخدام الدبلوماسية في إدارة الخلافات بين القوى الإقليمية. غير أن تحويل التفاهمات السياسية إلى سلام مستدام يظل مرهونًا باستمرار الحوار، ومعالجة مصادر التوتر، والحد من الخطابات التي تحول الخلافات السياسية إلى صراعات مذهبية.
ومن هنا تطرح هذه الدراسة تصورًا للتكامل المحتمل بين التحرك الدبلوماسي الصيني والدور الفكري والديني للأزهر الشريف في مصر، باعتباره مؤسسة إسلامية ذات حضور علمي ومعنوي واسع، وقادرة على الإسهام في نشر ثقافة الحوار ورفض التحريض والتأكيد على حرمة الدماء.
أولًا: آليات تحييد التوظيف السياسي للدين في الرؤية الصينية
تتعامل بكين مع قضايا الأمن الإقليمي من منظور يرتبط باستقرار الدول، وحماية مصالحها الاستراتيجية، ورفض التدخلات الخارجية التي تراها مهددة للسيادة الوطنية. وتؤكد مبادرة الأمن العالمي الصينية أهمية الأمن المشترك والشامل والمستدام، وتسوية النزاعات بالحوار، ومعالجة أسباب انعدام الأمن من خلال التنمية.
وفي ضوء هذا المنظور، يمكن تحليل التعامل الصيني مع التوترات المذهبية في الشرق الأوسط عبر مسارين أساسيين:
1. تغليب الأمن المشترك على الاستقطاب الأيديولوجي
ترى المقاربة الصينية أن التنافس الإقليمي لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة بين الهويات الدينية والمذهبية، وأن الحوار السياسي والتفاهمات الأمنية يمكن أن يحدّا من فرص تصعيد الخلافات. ويعني ذلك أن إدارة التنافس بين طهران والرياض تحتاج إلى معالجة المصالح والمخاوف الأمنية، بدلًا من اختزال الصراع في الانتماءات المذهبية.
2. التنمية بوصفها أحد مسارات الحد من أسباب الصراع
تمنح الصين أهمية للتعاون الاقتصادي والاستثماري ومشروعات البنية الأساسية باعتبارها أدوات لتعزيز الترابط بين الدول. ويمكن توظيف هذه المقاربة في دعم إعادة الإعمار، وتحسين فرص العمل، وتطوير الخدمات في المناطق المتضررة من النزاعات، بما يسهم في تقليل بعض الظروف التي تستغلها الجماعات المسلحة في التجنيد والتعبئة.
ومع ذلك، فإن التنمية وحدها لا تكفي لإنهاء النزاعات؛ إذ تظل التسويات السياسية، وحماية المدنيين، ومعالجة المظالم، وبناء مؤسسات الدولة، عناصر أساسية في أي مسار مستدام للسلام.
ثانيًا: الأزهر الشريف ودوره في حماية التنوع الديني والمذهبي
يمتلك الأزهر الشريف رصيدًا علميًا ودينيًا يجعله مؤهلًا للإسهام في نشر ثقافة الاعتدال والحوار، ومواجهة الخطابات التي تستغل الدين لتبرير العنف أو التحريض على أتباع المذاهب الأخرى.
ويمكن أن يتجسد هذا الدور في ثلاثة مسارات رئيسية:
1. تفكيك الخطاب المذهبي التحريضي
يتمثل أحد الأدوار المهمة للمؤسسات الدينية في توضيح أن الخلافات السياسية بين الدول أو الجماعات لا ينبغي أن تتحول إلى أحكام عامة على أتباع المذاهب، أو إلى مبرر لإهدار الحقوق أو استهداف المدنيين.
وفي الحالة اليمنية، من المهم التمييز بين الانتماءات الدينية والمذهبية من جهة، والمواقف السياسية والعسكرية للأطراف المتنازعة من جهة أخرى؛ حتى لا يُحمَّل مجتمع كامل مسؤولية قرارات جماعات أو قيادات بعينها.
2. دعم الحوار الإسلامي وحقن الدماء
يمكن للأزهر أن يسهم في تهيئة مناخ فكري وديني يدعم الحوار، ويشجع على تقريب وجهات النظر، ويرفض تكفير الآخر أو التحريض عليه. وقد دعا الأزهر في أكتوبر 2026 إلى تشكيل لجنة وساطة تضم شخصيات عربية وإسلامية للمساعدة في إنهاء الصراعات وتقريب وجهات النظر.
ويمكن أن يشكل هذا التوجه أساسًا لمبادرات حوار أوسع، إذا توافرت لها آليات واضحة، وقبول من الأطراف المعنية، وتنسيق مع الجهود الدبلوماسية القائمة.
3. ترسيخ المواطنة واحترام التنوع
إن حماية التنوع الديني والمذهبي لا تتحقق بمجرد منع الخطاب التحريضي، بل تتطلب أيضًا التأكيد على كرامة الإنسان، والمساواة أمام القانون، وحق المجتمعات في العيش الآمن بعيدًا عن التمييز والعنف.
ومن هذا المنطلق، يمكن للخطاب الديني الوسطي أن يعزز مفهوم المواطنة، ويؤكد أن الاختلاف المذهبي لا يبرر العداء أو الاعتداء، وأن الحفاظ على وحدة المجتمعات يتطلب احترام التنوع وعدم توظيفه في الصراع على السلطة والنفوذ.
ثالثًا: مسارات التكامل المحتمل بين بكين والأزهر الشريف
إن الجمع بين أدوات الدبلوماسية السياسية والوساطة الفكرية والدينية يفتح المجال أمام تصور متعدد المسارات لمعالجة التوترات الإقليمية. ويظل هذا التصور مقترحًا للتعاون المستقبلي، وليس وصفًا لاتفاق مؤسسي معلن بين الصين والأزهر.
1. بناء الثقة بين السعودية وإيران
أثبت اتفاق بكين عام 2023 أن الوساطة السياسية تستطيع فتح قنوات للتواصل بين أطراف تتباين مصالحها ومواقفها. ويمكن البناء على هذا النموذج من خلال دعم استمرار الحوار، وتشجيع المبادرات التي تعزز الثقة المتبادلة، وتحد من الخطابات التي تؤجج الاستقطاب المذهبي.
وفي هذا الإطار، يمكن للأزهر أن يسهم، من خلال الحوار العلمي والديني، في تأكيد أن الخلافات السياسية لا تبرر الإساءة إلى أتباع المذاهب المختلفة أو التحريض عليهم.
2. دعم تسوية سياسية شاملة في اليمن
تمثل الأزمة اليمنية إحدى أبرز ساحات تداخل الصراعات المحلية والإقليمية. ولذلك، فإن أي مقاربة جادة لاحتوائها ينبغي أن تضع مصلحة اليمنيين وأمنهم وحقهم في الاستقرار في المقدمة.
ويمكن للصين، بحكم علاقاتها الدبلوماسية ومصالحها التجارية، دعم المسارات السياسية التي تسهم في خفض التصعيد وحماية الملاحة الدولية. وفي المقابل، يستطيع الأزهر الإسهام في تعزيز خطاب المصالحة ورفض التحريض المذهبي، وتشجيع الحوار بين الأطراف والمجتمعات المتأثرة بالنزاع.
ولا يغني هذا التكامل المحتمل عن دور اليمنيين أنفسهم، أو عن جهود الأمم المتحدة والوسطاء الإقليميين، بل يمكن أن يكون عنصرًا مساعدًا ضمن إطار أوسع للتسوية السياسية.
3. تأهيل الكوادر الدينية وتعزيز الحوار
يمكن أن يشمل التعاون المستقبلي تبادل الخبرات في الدراسات الدينية والاجتماعية، وتنظيم ندوات حول المواطنة والتنوع، وتدريب الكوادر على التعامل مع خطاب الكراهية والتحريض.
غير أن نجاح هذا المسار يتطلب احترام استقلالية المؤسسات العلمية والدينية، وتجنب تحويلها إلى أدوات للدعاية السياسية، مع الالتزام بالشفافية وتحديد أهداف البرامج ونتائجها.
رابعًا: الدبلوماسية الصينية والوساطة الدينية.. تكامل في الأدوار لا تطابق في الأهداف
تختلف طبيعة الدور الصيني عن طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه مؤسسة دينية مثل الأزهر الشريف. فبكين تتحرك أساسًا من خلال أدوات السياسة الخارجية والتفاوض والتعاون الاقتصادي، بينما يرتكز دور الأزهر على المرجعية الدينية والعلمية والخطاب الأخلاقي.
ومن ثم، فإن التكامل بين الطرفين ـ إذا جرى الاتفاق عليه مؤسسيًا ـ يمكن أن يقوم على توزيع الأدوار، لا على دمجها في إطار واحد.
النفوذ الدبلوماسي والسياسي
تستطيع الصين دعم الاتصالات بين الحكومات، وتشجيع الحوار، وتوظيف علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية في خدمة الاستقرار الإقليمي. لكن قدرتها على التأثير تظل مرتبطة باستعداد الأطراف المعنية للتفاوض والالتزام بما يتم الاتفاق عليه.
النفوذ الديني والمعنوي
يمكن للأزهر أن يقدم خطابًا يرفض تحويل الاختلاف المذهبي إلى عداء، ويشجع على حماية المدنيين وحقن الدماء. ويستمد هذا الدور أهميته من المرجعية الدينية والعلمية للمؤسسة، وليس من امتلاكها أدوات الإلزام السياسي أو العسكري.
دعم المبادرات متعددة الأطراف
يمكن تصور مبادرات تجمع الدبلوماسيين والباحثين والقيادات الدينية، لمناقشة سبل مكافحة التحريض، وحماية المجتمعات المتنوعة، وتعزيز الحوار الإسلامي. ويظل نجاحها مشروطًا بتحديد اختصاصاتها، واحترام سيادة الدول، وعدم تهميش الأطراف المحلية التي تتحمل التأثير المباشر للنزاعات.
خامسًا: مرتكزات الرؤية الصينية لحماية الاستقرار الإقليمي
يمكن تلخيص المرتكزات التي تستند إليها المقاربة الصينية، وفق المبادئ المعلنة لبكين والتحليل الاستراتيجي المطروح، في ثلاثة محاور:
1. عدم تحويل الانتماء الديني إلى ولاء سياسي عابر للحدود
لا ينبغي أن يصبح الانتماء المذهبي أساسًا للحكم على ولاء الأفراد أو الجماعات، أو مبررًا للتدخل في شؤون الدول. كما أن احترام السيادة لا يعفي الدول من مسؤولية حماية المدنيين وحقوق الإنسان والالتزام بالقانون الدولي.
2. التنمية إلى جانب التسويات السياسية
يمكن للاستثمار وإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي أن تدعم الاستقرار، لكنها لا تحل بمفردها محل التسويات السياسية، أو المؤسسات القادرة على إنفاذ القانون، أو معالجة المظالم التي تغذي النزاعات.
3. الانتقال من إدارة الأزمات إلى الحوار المستدام
تحتاج المنطقة إلى قنوات حوار منتظمة لا تقتصر على فترات التصعيد، بل تعمل على بناء الثقة، ومناقشة المخاوف الأمنية، ووضع آليات لتسوية الخلافات ومنع تحولها إلى مواجهات أوسع.
سادسًا: موقف بكين من إيران والحوثيين ودول الخليج
تحاول الصين الحفاظ على علاقات مع أطراف إقليمية متعددة، من بينها إيران والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وتفرض هذه العلاقات عليها موازنة مصالح اقتصادية وأمنية ودبلوماسية متشابكة.
1. العلاقات الصينية الإيرانية والملف الحوثي
تربط الصين بإيران علاقات سياسية واقتصادية، لكنها تحتاج أيضًا إلى استقرار المنطقة وسلامة حركة التجارة والطاقة. ومن هذا المنطلق، يمكن لبكين تشجيع المسارات التي تخفض التصعيد الإقليمي، وتدعم التسويات السياسية، وتحد من المخاطر التي تهدد الملاحة.
أما التعامل مع الحوثيين، فيرتبط كذلك بتعقيدات الأزمة اليمنية ومواقف الأطراف المحلية والإقليمية. ولذلك، ينبغي عدم اختزال النزاع اليمني في بعد مذهبي واحد، أو افتراض أن جميع مواقف الحوثيين يمكن تفسيرها باعتبارها امتدادًا مباشرًا للسياسة الإيرانية.
2. العلاقات الصينية السعودية والخليجية
تمثل دول الخليج شريكًا اقتصاديًا مهمًا للصين، خصوصًا في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار. كما تتقاطع مصالح بكين مع جهود خفض التصعيد وحماية الممرات البحرية.
وفي هذا السياق، يمكن للصين دعم المساعي الدبلوماسية الرامية إلى تسوية النزاعات، بما فيها الأزمة اليمنية، مع مراعاة مصالح دول المنطقة وسيادتها، وعدم تحويل التنافس الإقليمي إلى مواجهة مفتوحة تضر بالشعوب والاقتصادات.
ولا يعني سعي بكين إلى الحفاظ على علاقات متوازنة أنها تملك وحدها القدرة على إنهاء الصراعات؛ فنجاح الوساطة يعتمد على مواقف الأطراف المعنية، ومدى استعدادها لتقديم تنازلات متبادلة وتنفيذ التزاماتها.
سابعًا: مصر والأزهر في معادلة الاستقرار الإقليمي
تستطيع مصر، بما تمتلكه من ثقل دبلوماسي ومكانة إقليمية، أن تسهم في دعم المبادرات التي تجمع بين التسوية السياسية والحوار الفكري والديني. ويمنح الحضور العلمي والمعنوي للأزهر الشريف هذا المسار بعدًا إضافيًا، من خلال نشر ثقافة الاعتدال ورفض التحريض المذهبي.
ومن الممكن أن تتبلور أفكار تعاون مستقبلية في صورة مؤتمرات للحوار الإسلامي، وبرامج لمكافحة خطاب الكراهية، ولقاءات تجمع الباحثين والقيادات الدينية والدبلوماسية، ومبادرات للتوعية بأهمية حماية المدنيين وصون التعدد الديني.
لكن تحويل هذه الأفكار إلى مسار عملي يتطلب اتفاقًا واضحًا بين المؤسسات المعنية، وتحديد الأهداف والاختصاصات، وتقييم النتائج، وعدم تقديم التصورات المقترحة باعتبارها مبادرات مشتركة قائمة قبل الإعلان عنها رسميًا.
الخلاصة: هل يمكن أن تصبح الوساطة الدينية رافدًا للدبلوماسية الصينية؟
تفتح المقارنة بين المبادئ الصينية المعلنة في مجال الأمن الإقليمي والدور الفكري والديني للأزهر الشريف مجالًا للتفكير في صيغة تعاون تجمع بين الحوار السياسي والوساطة المعنوية.
فالصين تستطيع توظيف علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية لدعم التهدئة وبناء الثقة، بينما يمكن للأزهر أن يسهم في مواجهة الخطابات التي تحول الاختلافات المذهبية إلى مبررات للتحريض أو العنف.
غير أن حماية التنوع الديني لا ينبغي أن تعني إخضاع الدين بالكامل للسياسة، أو استخدام المؤسسات الدينية لتقييد الحوار، بل يتعين أن تقوم على رفض التحريض، واحترام حرية الاعتقاد، وصون كرامة الإنسان، وضمان حق المجتمعات في التعايش الآمن.
وبناءً على ذلك، فإن أحد المسارات الممكنة أمام مصر والصين هو دعم مبادرات حوار تجمع بين الخبرة الدبلوماسية والمعرفة الدينية، مع احترام استقلال المؤسسات، ومراعاة خصوصية المجتمعات، وإشراك الأطراف المحلية في صياغة الحلول.
إن السلام المستدام في الشرق الأوسط لا يتحقق بمجرد احتواء الخلافات بين العواصم، بل يحتاج أيضًا إلى حماية المجتمعات من خطاب الكراهية، وتحويل التنوع الديني والمذهبي من أداة للاستقطاب إلى مساحة للتفاهم والتعايش.
تحليل الدكتورة/ نادية حلمي
الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الحاكم في الصين والشؤون الآسيوية، والمحللة الاستخباراتية، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف.

