روان لاشين بين بريق الإعلام ومسؤولية البرلمان..سفيرة الإنسانية فى “حوار خاص ل النايل الاخبارية”


حوار محمد أكسم
ليست كل الشخصيات التي تصل إلى مواقع تترك أثراً حقيقياً في قلوب الناس، فهناك من تصنع المناصب حضورهم، وهناك من يمنحون المناصب قيمة بما يحملونه من أخلاق ووعي وإنسانية, هكذا تبدو الإعلامية والبرلمانية السابقة روان لاشين؛ شخصية تجمع بين ذكاء العقل ورهافة الإحساس، وبين ثقافة تمنحها عمق الرؤية وقلب طيب يعرف كيف يقترب من الناس، ويمنحهم من اهتمامه ووقته ومشاعره ما يجعل التواصل معهم أبعد من مجرد كلمات عابرة.
في حديث روان لاشين، تلمس ذلك الأسلوب الراقي الذي يجمع بين الثقة والهدوء، وبين الثقافة والبساطة،تمتلك ذكاءً اجتماعياً يساعدها على فهم الناس والاقتراب من عوالمهم المختلفة، وذكاءً عاطفيًا يجعلها أكثر وعياً بما تخبئه الكلمات من مشاعر يمنحها مساحة للتعاطف ، وبما قد يحتاج إليه الإنسان أحياناً من اهتمام صادق قبل أن يحتاج إلى حل لمشكلته, ولعل هذه القدرة على الجمع بين التفكير والإحساس هي ما يمنح شخصيتها ذلك التوازن الجميل بين الحضور المهني والملامح الإنسانية، وهي صفات تضفي على الحوار معها طابعاً إنسانياً يتجاوز حدود
الأسئلة والإجابات.
ولعل أجمل ما في هذه شخصية روان هو ذلك الجانب الإنساني الذي لا ينبغي أن تحجبه الألقاب أو المسؤوليات, فخلف الحضور الإعلامي والتجربة البرلمانية، تبدو قيمة الإنسان حاضرة في نظرتها إلى الحياة، وفي اهتمامها بخدمة الناس ومساندتهم، وفي تقديرها لمعنى أن يكون المرء قادراً على تخفيف عبء عن شخص آخر أو مساعدته في تجاوز مشكلة, تجد سعادتها في أن تكون سبباً في راحة إنسان، أو باباً يفتح أمام من ضاقت به السبل والأبواب، أو يداً تمتد بالمساعدة
حين يحتاج إليها الآخرون
فهناك فرق بين من يرى خدمة الناس واجباً يؤديه، ومن يجد في مساعدتهم معنى شخصياً ورضا داخلياً، وتلك الروح هي ما يمنح العمل العام قيمته الحقيقية، حين يتحول من مجرد مسؤولية إلى رسالة يشعر صاحبها بأنه مدين للمجتمع بقدر ما يمنحه من فرص وثقة
وفي ملامحها الشخصية، يلفت الانتباه ذلك التوازن بين الطموح والرقي، وبين الاعتزاز بالنفس والقدرة على الاقتراب من الآخرين دون تكلف,وهي صفات تتصل، في جانب منها، بما يتلقاه الإنسان من تربية وما ينشأ عليه من قيم واحترام للآخرين, فالثقافة الحقيقية لا تظهر في المصطلحات وحدها، وإنما في طريقة الاختلاف، وفي اختيار الكلمات، وفي احترام مشاعر من نتحدث إليهم, وحين تجتمع المعرفة مع حسن الخلق، يصبح الحضور أكثر دفئاً، وتغدو الشخصية أقرب إلى القلوب، بعيداً عن الحواجز التي قد تصنعها الشهرة أو المسؤولية
لقد منحتها دراستها وثقافتها وخبرتها الإعلامية أدوات مهمة لفهم الواقع والتعبير عنه، لكن المعرفة وحدها لا تصنع شخصية قريبة من القلوب, فهناك ما تضيفه التربية السليمة، وما تزرعه الأسرة من احترام وصدق وتواضع، وما تمنحه التجارب من نضج وقدرة على التمييز بين ما يستحق أن نختلف حوله وما يستحق أن نتعاطف معه,وحين تجتمع الثقافة مع حسن الخلق، والذكاء مع الرحمة، والطموح مع التواضع، يصبح النجاح أكثر إنسانية، ويصبح لصاحبه حضور لا يعتمد على الظهور وحده، بل على ما يتركه من انطباع طيب في نفوس من يلتقونه ويتعاملون معه
وفي رحلتها بين الإعلام والعمل البرلماني، خاضت روان لاشين تجربتين تضعان الإنسان في مواجهة مباشرة مع الناس, فالإعلام يمنح صاحبه فرصة أن يسمع ويحاور وينقل الحكايات، والعمل العام يضعه أمام مسؤولية فهم الاحتياجات والتعامل مع تطلعات المواطنين, وبين المجالين، تتجدد أسئلة مهمة عن معنى التأثير الحقيقي، وعن الفرق بين أن يتحدث المرء إلى الناس وأن يشعر بهم، وبين أن يحظى بالاهتمام وأن يستخدم حضوره في تسليط الضوء على تجارب الآخرين وقضاياهم
ومن هنا يأتي برنامجها “ناجحات” بوصفه مساحة تتجاوز الاحتفاء بالإنجاز إلى الاقتراب من الإنسان الذي صنعه, فالمرأة الناجحة ليست منصباً أو لقباً أو صورة تلمع في الأضواء، بل حكاية من الصبر والمحاولة، ولحظات ضعف استعادت بعدها قوتها، وقرارات صعبة صنعت طريقها بنفسها.
وحين تروى هذه الحكايات بصدق، فإنها لا تلهم النساء وحدهن، بل تذكرنا جميعاً بأن وراء كل نجاح رحلة تستحق أن تسمع، وأن الاعتراف بتجارب الآخرين قد يمنح شخصاً ما الشجاعة ليبدأ رحلته الخاصة.
ولأن أجمل الحوارات ليست تلك التي نخرج منها بمعلومات جديدة فقط، بل تلك التي نكتشف خلالها جوانب إنسانية لم نكن نراها، كان هذا اللقاء مع روان لاشين محاولة للاقتراب منها بعيداً عن الألقاب، لنرى المرأة خلف الكاميرا، والإنسانة خلف المسؤولية، والقلب الذي يحمل مشاعره وأسئلته وأحلامه مثل سائر القلوب.
فى البداية نرحب بالإعلامية الكبيرة روان لاشين أهلا بكم فى موقع النايل الاخبارية
الإعلامية روان لاشين، التي عرفها الجمهور مذيعةً تلفزيونية، ثم نائبةً في البرلمان.. من هي روان الإنسانة بعيدًا عن الكاميرا والمقعد البرلماني وكل الألقاب؟
عرفني الجمهور من خلال التلفزيون والنشرات الإخبارية والسياسية والتقارير المسجلة, بدأت العمل في قناة الغد في وقت مبكر، وتعلمت فيها أساسيات العمل الإعلامي على أيدي مجموعة من كبار الصحفيين والإعلاميين الذين عملوا في ماسبيرو، ولذلك أعتبر تلك المرحلة من أهم مراحل تكويني المهني.
أما الألقاب، فلها أهميتها بالطبع، لكنها لا ينبغي أن تغير الإنسان ما دام يراعي الله وضميره, أرى أنها مسميات تعبر عن الوضع الحالي أو المنصب الذي يشغله الإنسان، لكن روان الإنسانة لا تختلف عن روان التي تظهر أمام الكاميرا أو التي عملت تحت قبة البرلمان
كيف بدأت علاقتك بالتلفزيون المصري، وما الذي تتذكرينه ؟
أتذكر كل شيء نشأت عليه؛ إذاعة القرآن الكريم، والبرامج الإذاعية، وبرنامج “صباح الخير يا مصر”، والفوازير، والأفلام والمسلسلات، وحتى الموسيقى التي كانت تنتجها الإذاعة والتلفزيون, للتلفزيون المصري مكانة كبيرة في وجدان المصريين والعرب، فقد ارتبط بذكريات أجيال كاملة، وكان جزءًا أساسيًا من حياتنا وثقافتنا
هل جاء دخولك عالم الإعلام نتيجة حلم قديم أم عن طريق الصدفة؟
كنت في القسم العلمي بالثانوية العامة، وكان اتجاهي نحو كليات العلوم والطب والصيدلة، لكنني قررت الالتحاق بكلية الإعلام بالجامعة الأمريكية، وكان ذلك تحديًا كبيرًا بالنسبة إلي؛ لأنني كنت شخصية هادئة، وما زلت كذلك حتى الآن.
غيرت كلية الإعلام الكثير في شخصيتي، وفتحت أمامي آفاقًا لم تكن ضمن حساباتي من قبل, بدأت أبحث وأفكر في ذاتي، وأدركت أن هناك قضايا كثيرة يمكن مناقشتها والتحدث عنها من خلال الإعلام.
بعد التخرج، تقدمت لدراسة الماجستير، وبدأت العمل الميداني من خلال التصوير والبحث في التراث المصري, والحقيقة أنني أرى الإعلام مجالًا ممتعًا؛ لأنه يمنحنا فرصة الاقتراب من قصص الناس، والتعبير عن تجاربهم، وإيصال أصواتهم إلى المجتمع
هل كانت لديكِ منذ الطفولة شخصية تميل إلى القيادة وتحمل المسؤولية، أم أن الحياة هي التي دفعتكِ تدريجيًا إلى هذه المساحة؟
نشأنا على تحمل المسؤولية منذ الصغر، سواء مسؤولية النفس أو البيت أو الأسرة, وهذه التربية تساعد الإنسان على بناء شخصيته، وتمنحه القدرة على تحمل مسؤوليات أكبر مع مرور الوقت, وأعتقد أن الاعتياد على المسؤولية منذ الطفولة يهيئ الإنسان للقيادة في المستقبل
ما اللحظة التي شعرتِ فيها لأول مرة بأنكِ لم تعودي تمثلين نفسكِ فقط، وإنما أصبحتِ مسؤولة عن أشخاص ينتظرون منكِ موقفًا أو كلمة؟
مع تحمل المسؤولية، أدركت أنني لم أعد أمثل نفسي وحدي، بل أصبحت مطالبة بأن أقيم الأمور بصورة أوسع، وأن أختار مواقفي وتصرفاتي على أساس وعي أكبر بتأثيرها في الآخرين
كيف تحافظين على إنسانيتكِ وهدوئكِ وسط عالم مليء بالمنافسة والضغوط ؟
أعتقد أن الإنسان يحتاج إلى أن يشعر ويعبر عن مشاعره، وأن يكون قادرًا على فهم نفسه والآخرين, وهذا يرتبط إلى حد كبير بالتربية، وبما يحصل عليه الطفل في مراحل عمره المختلفة من حب وحنان واحتواء, فهذه الاحتياجات تساعد على بناء إنسان متوازن، وتظهر آثارها لاحقًا في سلوكه وتصرفاته عندما يكبر
هل الشهرة والمناصب غيرت فيكِ شيئًا، أم أنها كشفت لكِ أكثر عن شخصيتكِ الحقيقية؟
يجب أن نتعامل مع الشهرة والمناصب بحرص ووعي؛ فالمناصب تتغير، وأضواء الشهرة قد تنطفئ، لكن الإنسان هو الذي يبقى، وتبقى معه تربيته وأصوله وقيمه, وأرى أن الإنسان الذي يحترم ذاته ويحافظ على مبادئه لا ينبغي أن تغيره المناصب.
أحاول الاستفادة من الشهرة في توعية الناس بالقضايا المهمة وإيصال أصواتهم، وأعتبر أن هذه هي القيمة الحقيقية للشهرة، كما أنها مسؤولية يجب أن أكون على قدرها
بدأتِ من الإعلام ثم انتقلتِ إلى العمل البرلماني.. حدثينا عن شعوركِ عندما انتقلتِ من خلف الميكروفون والكاميرا إلى قاعة البرلمان؟
كانت مسؤولية كبيرة وتجربة مختلفة تمامًا، لكنها مثلت فرصة مهمة لأكون جزءًا من العمل العام والحراك السياسي والمشاركة في مناقشة القضايا وصناعة القرار، إلى جانب وجودي وسط نخبة من السياسيين والمفكرين الذين تعلمت منهم الكثير.
غيرت التجربة البرلمانية طريقة تفكيري، وجعلتني أنظر إلى القضايا من زوايا مختلفة، بوعي أعمق وفهم أكبر لتفاصيلها, كما منحتني فرصة للمساعدة في حل مشكلات الناس، وخدمتني كثيرًا في عملي الإعلامي؛ إذ أصبحت أكثر قدرة على مناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية وفهم أبعادها
ما القضية التي دخلتِ البرلمان وأنتِ تحملين تجاهها تصورًا معينًا، ثم خرجتِ منه برؤية مختلفة؟
تعاملت مع قضايا كثيرة، وشاركت في مناقشة ملفات وقوانين تتعلق بالتعليم والسياحة والمرأة، وكان من أهم الملفات التي اهتممت بها الأمومة والطفولة والصحة.
كنت أحرص على حضور اجتماعات اللجان المختلفة، والاستماع إلى المناقشات والاستفادة منها، حتى أتعرف إلى أبعاد القضايا بصورة أعمق، وأفهم كيف يمكنني مساعدة الناس.
تعلمت من التجربة أن صناعة القانون واتخاذ القرار ليسا أمرين سهلين، بل يحتاجان إلى دراسة وتأنى وفهم للتفاصيل والآثار المترتبة على كل قرار
هل هناك موقف برلماني ما زلتِ تتذكرينه حتى اليوم؛ لأنه علمكِ شيئًا عن السياسة أو الناس؟
أدركت أن عضو البرلمان يتحمل مسؤولية كبيرة تجاه المواطنين. ومن أسعد اللحظات بالنسبة إلي أن يوفقني الله في مساعدة شخص وتيسير أمره، سواء في مجال الصحة أو التعليم أو غيرهما.
أحاول دائمًا أن أضع نفسي مكان المواطن حتى أفهم شعوره واحتياجاته,وهذا يساعدني على النظر إلى المشكلة بصورة أعمق؛ فالمشكلة التي يطرحها شخص واحد قد تكون موجودة لدى عدد كبير من المواطنين، ولذلك لا ينبغي أن نكتفي بالتعامل معها باعتبارها حالة فردية.
ومن هنا تأتي أهمية دراسة القوانين القائمة، وفهم كيفية تطبيقها، ومعرفة أوجه القصور التي تحتاج إلى معالجة، حتى نستطيع نقل صوت المواطن بصورة صحيحة والمساهمة في الوصول إلى حلول مناسبة
ما الإنجاز الذي تشعرين بأنه الأقرب إلى قلبكِ خلال تجربتكِ البرلمانية؟
كنت أمثل المرأة والشباب من خلال كوتة المرأة، وكانت لدي طموحات وأحلام وأفكار كثيرة، وأعتقد أنني استطعت تحقيق بعضها, لكن من أهم ما خرجت به من التجربة ما اكتسبته من خبرات ومعارف ساعدتني على التعامل مع المواقف المختلفة، وفهم كيفية تطوير الأداء وتحسينه, وأرى أن التطوير والتحسين عملية مستمرة لا تتوقف عند مرحلة بعينها.
هل المشكلة الحقيقية أمام المرأة في الوصول إلى مواقع المسؤولية هي نقص الفرص، أم الخوف من خوض التجربة، أم نظرة المجتمع؟
أرى أن المرأة المصرية حصلت خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي على فرص مهمة للتعبير عن نفسها وإثبات قدراتها في مواقع متعددة، منها القضاء والبرلمان والوزارات, وقد استطاعت سيدات كثيرات تحقيق نجاحات واضحة وإثبات جدارتهن في مجالات مختلفة، وهذا ليس غريبًا على المرأة المصرية التي تمتلك تاريخًا طويلًا من المشاركة والعطاء.
ومع ذلك، فإن استمرار التطور يحتاج إلى دعم الفرص، وتعزيز الثقة بقدرات المرأة، وتوفير بيئة تساعدها على النجاح والمشاركة الفاعلة في المجتمع
ماذا تقولين لفتاة صغيرة ترى تجربتكِ وتقول: “أنا أيضًا أريد أن أصل إلى مكان مؤثر”؟
أقول لها: لا تخافي، وحاولي دائمًا، ولا تستمعي إلى الكلمات المحبطة التي تحاول تعطيلكِ ما دمتِ تسعين إلى هدف مشروع، وتراعين ضميركِ وقيمكِ، وتسعين إلى تحقيق ما يفيد الناس والمجتمع, لا تسمحي للخوف من الفشل بأن يمنعكِ من المحاولة، وثقي بأن الاجتهاد والتعلم والإصرار يمكن أن يفتحوا أمامكِ أبوابًا لم تتخيليها
هل تعتقدين أن الجيل الجديد أصبح أكثر جرأة في الحلم، أم أنه أكثر خوفًا من المستقبل؟
نعم أصبح أكثر جرأة في الحلم، وأن كثيرًا من الشباب لم يعودوا يخشون الفشل بالدرجة نفسها التي كانت موجودة لدى أجيال سابقة. فعندما يتعثر الشاب، يستطيع أن يعيد المحاولة، ويراجع خطواته، ويستفيد من أخطائه ليعود بصورة أقوى.
وساعد التطور التكنولوجي على إتاحة فرص أكبر للتعلم والوصول إلى المعلومات والتواصل مع الآخرين، وهو ما يمنح الشباب إمكانات جديدة، بشرط أن يحسنوا استثمارها
بعد تجربة البرلمان.. هل عدتِ إلى الإعلام لأنكِ اشتقتِ إلى الكاميرا، أم لأن لديكِ شيئًا جديدًا تريدين قوله؟
عدت إلى الإعلام لأنني اشتقت إلى الكاميرا، فهي حلمي منذ سنوات الدراسة، ومنذ تخرجي في كلية الإعلام, كنت من أصغر المذيعات في بداياتي، وما زال العمل الإعلامي يمثل جزءًا أساسيًا من شخصيتي المهنية.
أما البرلمان، فقد أضاف إلى خبرتي عمقًا في التفكير والثقافة وفهم القضايا، وأتطلع إلى توظيف هذه الخبرات في عملي الإعلامي وتطويره, لذلك أرى أن عودتي طبيعية؛ لأن الإعلام هو مهنتي الأصلية، والتجربة البرلمانية كانت مرحلة مهمة أضافت إلي الكثير
برنامج “ناجحات” يحمل اسمًا لافتًا.. ماذا تعني لكِ كلمة “ناجحة”؟
النجاح بالنسبة إلي هو أن يحقق الإنسان تطورًا إيجابيًا في حياته، وأن يضيف شيئًا مفيدًا إلى المجتمع. وعندما نتحدث عن المرأة الناجحة، فإننا نتحدث أيضًا عن إنسانة خاضت معارك، وواجهت تحديات وإحباطات، لكنها واصلت الطريق ولم تتوقف عند العقبات.
فالنجاح ليس مجرد الوصول إلى مكانة معينة، وإنما القدرة على الاستمرار والتطور وترك أثر حقيقي.
هل قابلتِ شخصية في “ناجحات” جعلتكِ تعيدين النظر في مفهوم النجاح بالنسبة إليكِ؟
بالتأكيد، ومن بين الشخصيات التي تركت أثرًا في نفسي الكاتبة أمينة شفيق، بما مرت به من تجارب على المستويين الشخصي والمهني، وكذلك الدكتورة ندى ثابت، عضو مجلس النواب ورئيسة قرية الأمل لذوي الهمم في الإسكندرية.
كانت تجربة الدكتورة ندى ثابت مؤثرة بالنسبة إلي؛ لأنها أظهرت كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع الظروف الصعبة، وأن يعيد النظر في طريقة فهمه للأمور، ويحول التحديات إلى قوة وطاقة إيجابية يمكن توظيفها لخدمة الناس والمجتمع.
هذه النماذج تؤكد لي أن النجاح لا يرتبط بغياب الصعوبات، بل بقدرة الإنسان على التعامل معها وتحويل التجربة إلى قيمة يستفيد منها الآخرون
ما القصة التي تتمنين أن تصل إلى المرأة التي تشاهد البرنامج وتقول في داخلها: “ربما أستطيع أن أبدأ من جديد”؟
أريد أن أقول لكل امرأة: اعرفي قدراتكِ جيدًا، فهي أكبر بكثير من القوالب الاجتماعية التي قد يحاول البعض وضعكِ داخلها, لا تسمحي لأي عقبة بأن تعطل مسيرتكِ، واحرصي في الوقت نفسه على تنظيم وقتكِ وترتيب أولوياتكِ، بما يحقق التوازن بين طموحكِ ومسؤولياتكِ تجاه بيتكِ وأسرتكِ
تذكري أن الفشل ليس نهاية الطريق، بل قد يكون خطوة نحو النجاح إذا تعلمتِ منه وراجعتِ تجربتكِ, ولا تنسي أهمية الدعم الذي تحصلين عليه من الأسرة والأصدقاء والزوج؛ فالإنسان يحتاج إلى من يسانده ويشجعه، ولا ينبغي أن يواجه كل شيء بمفرده
ما أكثر شيء يمكن أن يؤلم روان لاشين؟
لم اعرف, ولا أعتقد أن الفشل هو أكثر ما يمكن أن يؤلمني، فالفشل تجربة يمكن أن نتعلم منها ونبدأ بعدها من جديد،
هل تستطيعين بسهولة أن تقولي: “أنا متعبة“، أم أن المسؤولية جعلتكِ معتادة على إخفاء التعب؟
أحيانًا لا تمنحنا المسؤوليات فرصة كافية للتوقف والاعتراف بالتعب، لكنني أرى أن الاعتراف به ليس عيبًا، بل هو أمر إنساني يدل على الصراحة مع النفس ومعرفة حدود القدرات.
من المهم أن يعرف الإنسان متى يستطيع الاستمرار، ومتى يحتاج إلى الراحة أو إلى طلب المساعدة، حتى يتمكن من تحمل مسؤولياته بصورة أفضل
حدثينا عن كلمة قيلت لكِ في بداية مشواركِ وما زلتِ تتذكرينها حتى الآن؟
أتذكر كلمة قالتها لي إحدى أستاذاتي في الجامعة عندما دخلت الاستوديو للمرة الأولى وقدمت نشرة إخبارية، بينما كانت رهبة الكاميرا تسيطر علي.
قالت لي إن عليّ أن أكون واثقة من نفسي، وأن أعرف جيدًا ما الذي أتحدث عنه, وأكدت لي أهمية التحضير الجيد للموضوع، وفهم طبيعة الجمهور الذي أخاطبه، لأن الثقة تأتي من المعرفة والاستعداد.
ظلت هذه النصيحة حاضرة في ذهني؛ فقد تعلمت منها أن مواجهة الكاميرا لا تعتمد على الحضور وحده، بل تحتاج إلى دراسة وفهم وإعداد جيد
حدثينا عن موقف جعلكِ تكتشفين أن الإنسان قد ينجح في حياته، لكنه يظل في حاجة إلى كلمة طيبة واحتواء صادق؟
أعتقد أن الإنسان يحتاج دائمًا إلى الكلمة الطيبة والاحتواء الصادق، مهما حقق من نجاحات, فالكلمة الطيبة لها تأثير كبير في النفس، وقد تمنح الإنسان دفعة من الأمل والقوة في وقت يحتاج فيه إلى الدعم, وكما نعرف، فإن الكلمة الطيبة صدقة، وقد يكون أثرها في حياة شخص أكبر مما نتخيل
ما أكثر شيء تشتاقين إليه من سنوات طفولتكِ؟
أفتقد سنوات طفولتي كلها، وأشتاق إلى المجتمع الهادئ الذي عشت فيه، وإلى بساطة تلك الأيام وما ارتبط بها من ذكريات ومشاعر لا تتكرر بالطريقة نفسها
هل تحتفظين بأشياء قديمة لها قيمة عاطفية بالنسبة إليكِ، حتى لو لم تكن لها قيمة مادية؟
نعم، أحتفظ بالأشياء التي تحمل قيمة خاصة بالنسبة إليّ, وما زلت أحرص على طباعة الصور والاحتفاظ بها في ألبومات؛ لأنني أؤمن بقيمة الصورة، فهي تحتفظ بلحظة سعيدة وتعيد إلينا تفاصيلها ومشاعرها بعد مرور السنوات
متى تقول روان “لا”؟ وهل كان تعلم قول “لا” أصعب من تعلم قول “نعم”؟
قول «لا» مسؤولية ووعي بالقدرات والإمكانات، وكذلك قول «نعم» مسؤولية. قبل أن أجيب عن طلب أو أعد شخصًا بشيء، أحاول أن أتأكد من قدرتي على تنفيذه والوفاء به.
أرى أن الوضوح في هذه الأمور يزيد احترام الناس للإنسان؛ لأن احترام الآخرين لا يعني الموافقة على كل شيء، بل يعني أن نكون صادقين معهم، وألا نمنحهم وعودًا لا نستطيع الوفاء بها.
هل النجاح جعل سقف طموحكِ أعلى، أم جعلكِ أكثر بحثًا عن السلام والرضا؟
أرى أن السلام النفسي ورضا الله يأتيان في مقدمة الأولويات، بينما يظل الطموح أمرًا صحيًا ومهمًا ما دام يدفع الإنسان إلى التطور والعمل دون أن يفقد اتزانه. بالنسبة إليّ، لا يتعارض الطموح مع الرضا، لكنني أؤمن بأن السلام الداخلي يجب أن يظل أولوية.
الجمهور يرى الإعلامية والنائبة والمرأة الناجحة.. لكن ماذا لا يعرف عن روان لاشين؟
أنا إنسانة بسيطة ووطنية جدًا، وأفتخر ببلدي وأحب مساعدة الناس. أشعر بسعادة كبيرة عندما أستطيع تقديم مساعدة أو خدمة لشخص طلبها مني، وأحاول ألا أتأخر عن أي إنسان يحتاج إلى مساعدة أستطيع تقديمها.
وأرى أن مساعدة الآخرين من الأمور التي تمنح الحياة معنى، وأن الإنسان ينبغي أن يفعل ما يستطيع لخدمة من حوله، ما دامت لديه القدرة على ذلك.
هل أصبحتِ أكثر حذرًا في اختيار الأشخاص بعد تجربة العمل العام؟
بالتأكيد، أصبح التروي في اختيار الأشخاص أمرًا ضروريًا بالنسبة إليّ. فمن المهم أن يكون هناك قدر من التوافق في المبادئ، وأن تقوم العلاقات على الاحترام المتبادل والوضوح؛ لأن اختلاف الطباع أمر طبيعي، لكن احترام القيم والحدود المتبادلة يظل أساسًا لأي علاقة ناجحة.
ما الحلم الذي ما زال مؤجلًا في حياة روان؟
حلمي أن تتقدم مصر؛ لأنها تستحق الكثير، وأتمنى أن أرى بلدي في مكانة كبيرة على مختلف المستويات. وأرى أن هناك تقدمًا تحقق في مجالات عديدة، وأتمنى أن يستمر ويتسع.
أما حلمي الشخصي، فهو أن أحافظ على نجاحي، حتى لو اضطررت إلى التوقف فترة من الوقت، وأن أواصل التطور والتعلم. كما أتمنى النجاح لكل إنسان يبذل جهدًا صادقًا في عمله ويسعى إلى تحقيق شيء مفيد.
ماذا تتمنين أن يقول الناس عن الإنسانة روان لاشين؟
أتمنى أن يتذكرني الناس بالخير، وأن يتذكروا أي عمل طيب قدمته لهم، حتى لو كان بسيطًا. فالسمعة الطيبة والأثر الإنساني هما ما أتمنى أن يبقيا بعد مرور السنوات.
بعد كل ما عشتهِ من إعلام وبرلمان وتجارب ونجاحات.. ما الشيء الذي اكتشفتِ أنه أهم من النجاح نفسه؟
رضا الله والرضا عن النفس، وأن يشعر الإنسان بأنه لم يقصر في أداء ما عليه، وأنه بذل جهده بصدق.
أعتقد أن النجاح لا يُقاس بالنتيجة وحدها، بل بالخبرات التي يكتسبها الإنسان خلال رحلته، وبالخطوات التي يتعلم منها حتى يصل إلى هدفه. فالنجاح الحقيقي يكمن في الرحلة نفسها، وفيما نكتسبه خلالها من معرفة وخبرة وقدرة على التطور، وليس في النتيجة النهائية فقط.
وفى نهاية هذا الحوار نشكر الإعلامية الكبيرة روان لاشين على هذا الحوار الأكثر من رائع متمنيين لها مزيدا من النجاح والتألق دائماً
وتبقى روان لاشين نموذجًا للمرأة التي تجمع بين ذكاء العقل ونقاء القلب، وبين رقي الفكر وجمال الروح، وتؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يحققه الإنسان ليس أن يصل إلى مكانة مرموقة فحسب، بل أن يظل قريباً من الناس، يشعر بهم، ويجد في مساعدتهم سعادة لا تمنحها المناصب ولا تصنعها الأضواء.
تبقى روان بما تحمله من ثقافة ووعي، وما تعكسه من رقي في الحديث ودفء في التعامل، صورة للإنسان الذي يدرك أن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بالإنسانية، وأن قيمة المرء لا تقاس بما يمتلكه من ألقاب، بل بما يتركه في القلوب من محبة واحترام, وربما تتغير المواقع، وتتعدد المحطات، وتطول مسيرة الإنجازات، لكن الأثر الطيب يظل الحكاية الأجمل التي يتركها الإنسان خلفه.
إنها حكاية امرأة تسعى إلى النجاح، دون أن تنسى أن أجمل نجاح هو أن تظل إنساناً يحب الناس، ويمنحهم من قلبه، ويترك في حياتهم ما يستحق أن يذكر بكل تقدير واحترام ومحبة.

