السياسي العربي بين العاطفة والعقلانية المفقودة
بقلم الكاتب عبد المجيد عبوبي… المغرب
لا تكفي الشعارات القومية أو الخطابات العاطفية لبناء قوة حقيقية في عالم تحكمه المصالح وليس المشاعر.
فبينما تتصاعد الأزمات العربية من غزة إلى اليمن وسوريا، يبرز سؤال مهم:
هل فهم العرب بعدُ فن السياسة الدولية كعلم، أم لا يزالون يتعاملون مع السياسة الخارجية كامتداد للعواطف والكلام الإنشائي؟
الحقيقة المؤلمة هي أن معظم الدول العربية لا تزال بعيدة عن فهم السياسة الدولية كحقل معرفي قائم على النظريات والاستراتيجيات،
وعن استخدام أدوات التفكير الفلسفي والاجتماعي لفهم الذات والآخر.
وبدون هذا الفهم، لا يمكن بناء خطاب سياسي دولي مقبول أو قوي.
السياسة الدولية علم قبل أن تكون عاطفة
السياسة الدولية ليست مجرد ردود أفعال على الأحداث، بل هي علم له نظرياته ومناهجه.
هناك مدارس تركز على القوة والمصالح، وأخرى تؤمن بالمؤسسات والتعاون، وثالثة تدرس دور الهوية والقيم في تشكيل السلوك الدولي.
لكن الخطاب السياسي العربي لا يزال يغلب عليه الطابع العاطفي والإنشائي:
خطابات عن «الأمة»، و«العدو»، و«المؤامرة»،
دون تحليل استراتيجي للمصالح، أو فهم عميق لتوازنات القوى.
هذه الفجوة المعرفية تجعل الدول العربية ردود أفعال، لا فاعلين مستقلين.
المثال الأبرز: في ملف النووي الإيراني
بينما تتعامل القوى الدولية مع الملف كقضية استراتيجية تحسب تكاليفها ومنافعها بدقة
يظل الخطاب العربي أسيرًا للشعارات والبيانات التي لا تغير واقعًا.
الفلسفة وعلم الاجتماع أدوات لفهم الذات والآخر
الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع ليسا ترفًا فكريًا، بل أدوات ضرورية لفهم:
الذات: ما هي هوية الدولة العربية؟ ما هي قيمها؟ ما هي مصالحها الحقيقية؟
الآخر: كيف تفكر القوى الدولية؟ ما هي دوافعها؟ كيف تتخذ قراراتها؟
بدون هذا الفهم، يتحول الخطاب السياسي العربي إلى صراخ في وادٍ فارغ.
المفارقة أن الدول العربية تنفق مليارات على التسليح، لكنها تستثمر ضئيلًا في بناء عقول قادرة على التفكير الاستراتيجي والفلسفي.
النتيجة: جيوش قوية، لكن استراتيجيات ضعيفة.
الديمقراطية والحداثة شرط لا غنى عنه
لا يمكن بناء جسر نحو القوة والنفوذ الدولي دون دراسة جدوى. والجدوى في الحالة العربية تعني:
تكريس الديمقراطية والحداثة في الداخل أولًا.
لماذا؟
الشرعية العقلانية شرط للقوة:
كما أسس عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، لا قوة حقيقية دون شرعية قائمة على المؤسسات والقوانين، لا على العرف أو الكاريزما.
الديمقراطية تصنع شرعية داخلية:
الدولة التي لا تحترم مواطنيها لا يمكنها أن تطالب باحترام دولي. الشرعية الداخلية هي أساس القوة الخارجية.
الحداثة تصنع مؤسسات قادرة:
المؤسسات الحديثة (قضاء مستقل، إعلام حر، مجتمع مدني نشط) هي التي تصنع سياسات خارجية رشيدة، لا القرارات الفردية أو العائلية.
المجتمع المفتوح يولد أفكارًا جديدة:
الديمقراطيات تنتج مفكرين واستراتيجيين قادرين على المنافسة في سوق الأفكار الدولي، بينما المجتمعات المغلقة تنتج خطابًا متخلفًا ومعزولًا.
المفكر العربي محمد حسنين هيكل شخّص هذه الإشكالية بدقة حين قال:
«العرب أمة بلا دولة، ودول بلا أمة».
أي أن هناك هوية عربية مشتركة، لكن لا توجد مؤسسات دولة عربية موحدة قادرة على تمثيل هذه الهوية في النظام الدولي.
أمثلة من الواقع
إسرائيل:
رغم صغر حجمها، تلعب دورًا إقليميًا ودوليًا مؤثرًا لأنها بنت مؤسسات ديمقراطية (نسبيًا)، واستثمرت في التعليم والبحث، وطورت خطابًا استراتيجيًا واضحًا.
إيران:
رغم العقوبات، تفرض نفسها كقوة إقليمية لأنها طورت مؤسسات دولة حديثة،
واستخدمت الفلسفة السياسية الشيعية لبناء خطاب أيديولوجي متماسك، واستثمرت في التعليم العالي والبحث الاستراتيجي.
الدول العربية:
مليارات النفط، جيوش ضخمة، لكن تأثير دولي محدود لأن الخطابات لا تزال عاطفية، والمؤسسات ضعيفة، والديمقراطية غائبة.

