داليا حسام تكتب :
خلف أبواب عابدين.. عندما كانت الملكة تغلق باب المراسم وتبدأ حياتها الحقيقية
في الحلقة اللي فاتت، كنا واقفين عند اللحظة اللي كانت فيها الملكة تستعد لفتح أبواب المراسم…
فستان محسوب، مجوهرات، تسريحة، وقوف، استقبال، وكل تفصيلة لها مكانها.
لكن ماذا كان يحدث بعد أن ينتهي كل ذلك؟
بعد أن ينصرف الضيوف، وتهدأ القاعات، وتُغلق الأبواب؟
هنا تبدأ حكاية أخرى تمامًا.
لأن الملكة لم تكن تعيش طوال حياتها أمام المرايا والكاميرات وفي قاعات الاحتفال.
كانت هناك حياة أخرى داخل القصر…
حياة الأسرة.
وهذه المرة، سنترك قاعة المراسم قليلًا، وندخل إلى الجزء الذي كان مخصصًا للحياة العائلية.
عابدين كان فيه باب لحياة أخرى
قصر عابدين نفسه كان يقسم الحياة داخله بين عالمين واضحين.
فالطابق العلوي كان يضم السلاملك، وهو جناح الاستقبالات والاحتفالات والمقابلات الرسمية،
وفي المقابل كان هناك الحرملك، وهو جناح إقامة الأسرة، ويضم أجنحة الإقامة وقاعات مخصصة للحياة العائلية.
والتفصيلة دي مهمة جدًا في حكايتنا.
لأنها تقول لنا إن القصر لم يكن كله متاحًا للضيوف.
كان هناك جزء يُفتح أمام الناس…
وجزء آخر كانت تعيش فيه الأسرة بعيدًا عن أعين الزائرين.
بل إن رئاسة الجمهورية تشير إلى وجود باب يفصل قاعة العرش عن قاعة الحرملك، وكان الدخول إلى هذا الجزء مقصورًا على أصحاب تصاريح خاصة.
يعني ببساطة…
كان للملكة باب تخرج منه إلى العالم الرسمي، وباب آخر تعود من خلاله إلى حياتها الخاصة.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
مَن كانت هذه المرأة عندما لا تكون ملكة أمام الناس؟
الملكة نازلي… حياة بدأت قبل التاج
الملكة نازلي مثال مهم جدًا؛ لأنها لم تبدأ حياتها باعتبارها «الملكة نازلي».
كانت زوجة فؤاد، ثم أصبحت ملكة بعد أن أصبح زوجها ملكًا، وكانت في الوقت نفسه أمًا لأسرة كبيرة.
أنجبت خمسة أبناء: الأمير فاروق، الذي أصبح لاحقًا الملك فاروق، والأميرات فوزية وفايزة وفايقة وفادية.
وهنا تتغير زاوية النظر إلى الصورة.
فالمرأة التي نراها في الصور الرسمية بملامح ثابتة وملابس محسوبة، كانت في الجانب الآخر من الباب أمًا لخمسة أبناء.
وكان داخل القصر عالم كامل لا يظهر في الصورة الرسمية.
ليس من الضروري أن نعرف ماذا كانت تفعل كل ساعة من يومها حتى نفهم ذلك.
يكفي أن نعرف أن القصر كان يضم بالفعل مساحات مخصصة لإقامة الأسرة، وأن الحياة الملكية لم تكن مقصورة على الاستقبالات والمراسم.
ثم جاءت فريدة…
ومع انتقال الحكم إلى فاروق، ظهرت ملكة أخرى، وفي زمن مختلف.
تزوج فاروق من فريدة في يناير 1938، وشهد قصر القبة مراسم زواجهما، وليس عابدين.
وهذه نقطة مهمة لأن القصور الملكية لم تكن تؤدي الوظيفة نفسها في كل مناسبة.
أصبحت فريدة ملكة، وأنجبت ثلاث بنات: فريال وفوزية وفادية.
وهنا نصل إلى تفصيلة تجعل عابدين بالنسبة لنا أكثر من مجرد قصر للمراسم.
الأميرة فادية وُلدت في قصر عابدين في 15 ديسمبر 1943.
تخيلوا المشهد…
القصر الذي عرفناه من خلال قاعة العرش والاستقبالات والمناسبات الرسمية، كان في لحظة من لحظاته يشهد حدثًا لا علاقة له بكل هذا البريق.
طفلة جاءت إلى الدنيا.
أم وأسرة.
وحياة بدأت في مكان سيصبح بعد سنوات جزءًا من التاريخ.
وهنا يصبح القصر فجأة أقرب إلى «بيت» منه إلى صورة نراها في كتاب تاريخ.
لأن القصر لم يكن حفلة مستمرة
أحيانًا الصور القديمة تخدعنا.
نري الملكة بفستان رسمي، فنفتكر إن حياتها كلها كانت مناسبات.
ثم مرة أخرى في قاعة كبيرة، فنفتكر إنها كانت دائمًا مليانة بالضيوف.
و تارة نري قصرًا، فننسى إن وراء القاعات الرسمية كانت توجد غرف وأجنحة وحياة عائلية.
لكن التقسيم المعماري لعابدين نفسه يقول غير ذلك.
السلاملك كان للمراسم والاستقبالات.
والحرملك كان لإقامة الأسرة.
وكانت هناك مساحات لا يدخلها كل شخص.
وهذا يعني أن هناك فرقًا بين الملكة التي يراها الناس والمرأة التي تعيش داخل القصر.
لكن هنا لازم نقف عند نقطة مهمة جدًا
إحنا بنحكي تاريخ…
مش بنكتب رواية.
فليس من حقنا نخترع للملكة يومًا كاملًا من خيالنا ونقول إنها كانت تستيقظ في الساعة كذا، وتتناول إفطارها في المكان كذا،
وتقضي وقتها في الحديقة أو تقرأ في غرفة معينة، طالما إن الوثائق اللي بين إيدينا لم تقل ذلك.
التاريخ الحقيقي لا يحتاج أن نملأ فراغاته بالخيال.
أحيانًا المعلومة الصغيرة الموثقة تكون أقوى من حكاية كاملة اخترعناها.
وما حدث للأطفال داخل القصر… جزء من الحكاية
وجود أبناء داخل الأسرة المالكة يغير شكل الحياة تمامًا.
فالقصور لم تكن مأهولة بالملوك والملكات وحدهم.
كان فيها أطفال أيضًا.
وكانت هناك حياة أسرية تتغير مع كل مرحلة.
والأميرة فادية تعطينا مثالًا واضحًا على ذلك.
وُلدت في عابدين عام 1943، لكنها لم تبقَ فيه طوال حياتها.
بعد خروج الأسرة المالكة من مصر عام 1952، انتقلت حياتها إلى عالم آخر، وعاشت معظم حياتها في سويسرا.
وهنا تصبح عابدين مجرد بداية في قصة إنسانة.
المكان الذي شهد ميلادها…
لم يكن هو المكان الذي شهد بقية حياتها
.
والزمن الذي وُلدت فيه…
لم يكن هو الزمن الذي كبرت فيه.
وهذه واحدة من أقوى الحقائق التي تكشفها لنا قصص نساء الأسرة المالكة:
القصر كان ثابتًا… لكن حياة من عاشوا داخله لم تكن ثابتة أبدًا
ماذا كانت ترى الملكة عندما تغلق الباب؟
ربما السؤال الأجمل ليس:
«ماذا كانت ترتدي الملكة؟»
«كم كان ثمن مجوهراتها؟»
ولا حتى:
«كيف كانت تظهر أمام الضيوف؟»
السؤال الأهم هو:
ماذا كانت ترى عندما تغلق الباب خلفها؟
كانت ترى عالم الأسرة.
أبناء يكبرون.
مناسبات عائلية.
أيامًا عادية لا تستحق أن تُسجل في الصحف.
ولحظات لم تكن معدة أصلًا لكي يراها أحد.
وهنا نفهم لماذا لا تستطيع الصورة الرسمية أن تحكي حياة الملكة كاملة.
الصورة تحفظ لحظة واحدة فقط.
لكن خلفها كان هناك عمر كامل.
ومن هنا تبدأ حكاية جديدة
وعندما نتتبع حياة الأميرات، نكتشف أن بعضهن لم تبقَ حياتهن داخل أبواب عابدين أصلًا.
إحداهن خرجت من مصر إلى بلاط آخر…
ولم تخرج باعتبارها زوجة أمير عادي.
خرجت وهي تحمل اسم الأسرة المالكة المصرية، لتبدأ حياة جديدة في إيران.
إنها الأميرة فوزية
الأميرة التي شهد قصر عابدين مراسم زفافها من ولي عهد إيران عام 1939، قبل أن تنتقل قصتها إلى طهران،
حيث تحولت لاحقًا من أميرة مصرية إلى ملكة إيران.
وتؤكد رئاسة الجمهورية أن عابدين شهد بالفعل مراسم زفاف ولي عهد إيران والأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق عام 1939.
وهنا لن نحكي فقط عن فستان زفاف أو مجوهرات أميرة.
لأن حكاية فوزية أكبر من ذلك بكثير.
في الحلقة القادمة… هنخرج من عابدين مع فوزية،
ونسافر معها إلى عالم ملكي آخر؛ من أميرة مصرية داخل أسرة محمد علي، إلى امرأة ستجد نفسها يومًا تحمل لقب ملكة في إيران.
والسؤال وقتها لن يكون: ماذا ارتدت؟
لكن.
كيف يمكن لأميرة أن تغادر قصرًا وهي تحمل هوية كاملة، لتبدأ حياتها داخل قصر آخر بقواعد وعالم مختلفين تمامًا؟

