الرئيسيةمحلياترحيل طود الحكمة والوحدة: الشيخ محمد خالد عبيد مسعد الجنيد،سبعون عاماً في توحيد الصف وبناء الوطن
محليات

رحيل طود الحكمة والوحدة: الشيخ محمد خالد عبيد مسعد الجنيد،سبعون عاماً في توحيد الصف وبناء الوطن

رحيل طود الحكمة والوحدة: الشيخ محمد خالد عبيد مسعد الجنيد،سبعون عاماً في توحيد الصف وبناء الوطن.

عدنان عبدالله الجنيد.

تعزية ومواساة: في رحيل رجل المبادئ والمواقف:

بسم الله الرحمن الرحيم، القائل في محكم التنزيل: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}

بقلوبٍ يعتصرها الأسى، ويملؤها الإيمان بقضاء الله وقدره، نتقدّم بأحرّ التعازي وأصدق المواساة إلى أسرة وأبناء وكافة آل الجنيد في اليمن وخارجه، برحيل طودٍ شامخ من طيود الوطن، ورمزٍ قبلي واجتماعي فذ، الشيخ محمد خالد عبيد مسعد الجنيد، الذي ترجل عن صهوة الحياة بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالجهاد والعلم والعطاء الإنساني والوطني، تاركاً خلفه إرثاً من النور والمواقف التي لا تنطفئ، وفراغاً لا يسده إلا مآثره الخالدة في نفوس محبيه وفي تاريخ اليمن المعاصر.

تزامن الرحيل مع فجر الوحدة.. رحيل رجل من زمن الوفاء:

في هذه الأيام التي تقف فيها اليمن إجلالاً لذكرى الوحدة اليمنية المباركة، نودّع اليوم أحد أبرز رجالها الأوفياء وبناة لبناتها الأوائل.

لقد عاش الفقيد مناضلاً جسوراً من أجل يمنٍ واحدٍ قويٍ وعزيز.

وفي اللحظات التاريخية التي كان الوطن يتجاذبها التشطير، كان الشيخ محمد خالد الجنيد يقف صمام أمان في الثغور، متجاوزاً بفكره وحنكته حدود الجغرافيا الضيقة، ليرسّخ قيم التلاحم والأخوة.

فكان رحيله متزامناً مع هذه الذكرى، وكأنه يؤكد أن جسده وإن غاب، فإن روحه الوحدوية ومبادئه الوطنية ستظل حيّة، ملهمة للأجيال في الحفاظ على هذا المنجز التاريخي العظيم.

إرث النبوغ والجهاد: سليل الحكمة والعلم من أجداده العلماء:

لم يكن فكر الشيخ الراحل ونبوغه وليد الصدفة، بل كان امتداداً طبيعياً لإرثٍ عائلي ضارب في عمق التاريخ والكرامة، ورثه كابراً عن كابر من أجداده الأعلام من آل الجنيد، الذين أسّسوا معالم الفقه والجهاد في أرض اليمن:

الجد الأكبر: أحمد بن محمد عبد الرحمن الحضرمي (صفي الدين)، الذي حمل راية العلم والجهاد في سفوح جبال الحشاء وقدس، محصناً الأمة بفكره الثابت وموقفه الشجاع في الذود عن حياض الوطن.

الجد: الجنيد بن محمد عبد الرحمن الحضرمي، العالم الرباني والعارف بالله، الذي صار مناراً لطلاب العلم في جبل صبر وقرية الصراري، وجمع بين السلوك الروحي والتأثير الفكري والوعظ الجهادي.

لقد كان الفقيد امتداداً حياً لهذا النور العلمي والحكمة اليمانية، فنهل من معينهم، وسار على دربهم طيلة حياته.

حارس التلاحم: دور الفقيد في توحيد الصف والعلم والتعليم

أولاً: دور مشهود في توحيد الصف والدفاع عن حياض الوطن:

جسّد الفقيد منذ ريعان شبابه نموذجاً للقائد القبلي والوطني المخلص، حيث عُيّن شيخ ضمان وعدل لعزلة بني مالك (المريم) بالحشاء بمحافظة الضالع لأكثر من 70 عاماً. وطوال هذه العقود، نجح بحنكته في توحيد الكلمة ولمّ الشمل وتثبيت دعائم الأمن والاستقرار.

ولم يقتصر دوره على الجانب القبلي، بل كان درعاً واقياً للوطن؛ فعمل قائداً لفصيل حرس الحدود أثناء فترة التشطير، وأشرف على تأسيس مواقع عسكرية وأمنية لحماية منطقته. وفي السبعينات، قاد الجهود لدحر القوات الجنوبية ومناهضة الفكر التخريبي للجبهات القومية والاشتراكية في المناطق الوسطى، لمنع إسقاط مديرية الحشاء.

وقدّمت أسرته في سبيل ذلك اثنين من إخوته شهداء مع الدولة، إلى جانب عدد من أبناء عمومته، دفاعاً عن الثوابت، كما شارك في حرب الردة والانفصال عام 1994، وحاز شهادات شكر وتقدير من مختلف الجهات العسكرية والأمنية والقضائية.

ثانياً: رائد العلم والتعليم والأمين الشرعي لسبعة عقود:

انطلاقاً من دراسته الشرعية المتعمقة في معهد العلوم الشرعية والقضائية بمدرسة جبلة التاريخية في إب، سخّر الفقيد علمه لخدمة كتاب الله وسنة رسوله وتطبيق العدالة، حيث عمل أميناً شرعياً وقاضياً محلياً لأكثر من 70 عاماً دون كلل.

وإدراكاً منه بأن الجهل هو العدو الأول للشعوب، بادر في السبعينات ببناء وتأسيس أول مدرسة ثانوية وإعدادية وابتدائية في منطقته (مدرسة النصر)، متبرعاً لها من ماله الخاص بالأرض والحوش والطريق المؤدي إليها، فاتحاً آفاق المستقبل أمام أبناء منطقته.

قاضي القلوب: دور الفقيد في إصلاح ذات البين وحل قضايا الثأر:

امتاز الشيخ محمد خالد الجنيد بقلبٍ يتسع للجميع ونفسٍ توّاقة للسلام، فكان من أبرز مراجع اليمن وعضواً فاعلاً في مجلس التلاحم القبلي والشعبي.

وخلال سبعين عاماً، سعى في إصلاح ذات البين، مقتلعاً جذور الفتن وقضايا الثأر، محولاً الخصومات إلى إخاء، ليكون بحق قاضي القلوب الذي يلجأ إليه الجميع في الملمات.

بصمات خالدة: أعماله التنموية والاجتماعية:

1-ريادته في متابعة المشاريع التنموية في مديرية الحشاء وعزلة بني مالك.

إشرافه على شق الطرقات الحيوية بين القرى ومركز العزلة.

2- عضويته في مؤسسة التطوير والخدمات الاجتماعية.

3- مساهمته في المؤسسة الاقتصادية للحبوب لتأمين الغذاء للمواطنين.

4- عضويته في هيئة المناضلين لثورة 26 سبتمبر 1962.

خاتمة: في محراب الرحيل والوفاء لفلسطين والمقدسات:

رحل الشيخ الجليل بعد أن أدى الأمانة، متمماً مسيرته الروحية بحج بيت الله الحرام ثماني حجج، ومخلفاً ذرية مباركة .

وإذ نودّعه اليوم، نستذكر أثره في ترسيخ الوعي بالقضايا الكبرى للأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حيث كان صوتاً يمنياً داعماً للقدس والمظلومين.

نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *