الرئيسيةمواهب النايلنشتاق لرمضان الذي عرفناه
مواهب النايل

نشتاق لرمضان الذي عرفناه

المرأة الكاتبة ياسمين فؤاد عنبتاوي

زمن اللهفة والروحانيات:

نشتاق لرمضان الذي عرفناه

 

يا له من شهر! شهر رمضان، شهر البركة والرحمة، شهر التراحم والتآخي. في الماضي، كان اسمه يتردد في الأجواء كأغنية دافئة، فتتسارع نبضات القلوب شوقًا ولهفة. كانت أيامه ولياليه تحمل عبقًا خاصًا، يداعب الحواس ويوقظ أعمق المشاعر الإنسانية.

 

كانت بداية التحضيرات تسبق الشهر بأيام، فتتعالى أصوات الأمهات وهن يجهزن البيوت لاستقبال الضيف العزيز. تتزين الشوارع بالفوانيس والزينة الملونة، وتفوح رائحة البخور من كل زاوية، معلنةً قدوم شهر الخير.

 

في ذلك الزمان، كانت القلوب متآلفة، تربطها أواصر المحبة والصلة. يجتمع الأهل والأقارب على موائد الإفطار، ويتشاركون الطعام والحديث، وتبهجهم ابتسامة الجميع. كانت صلة الرحم هي عنوان الشهر، يتفقد الأغنياء الفقراء، ويسارع الجميع في تقديم المساعدة والعون. كان الجار يهتم بجاره، والصغير يحترم الكبير، والجميع يشعرون بمسؤولية تجاه بعضهم البعض.

 

أما الانتظار، فكان له طعم آخر. كنا نترقب هلال رمضان بشوق، وننتظر رؤيته بفارغ الصبر. ومع إعلانه، تنطلق الأفراح، وتبدأ الليالي الروحانية، حيث تتردد أصوات التراويح في المساجد، وتعلو أصوات التلاوات والابتهالات في كل بيت. كان رمضان شهرًا للعبادة والتفكر، شهرًا لتصفية النفوس وتقوية الإيمان.

 

ولكن، أين ذلك الزمن الجميل؟ أين تلك اللهفة والشوق والحنين؟

 

في زمننا هذا، يبدو أن رمضان قد تحول إلى مجرد مناسبة للاحتفالات المادية والمظاهر الفارغة. أصبح الاهتمام الأكبر ينصب على إعداد موائد الإفطار الفاخرة، والتفاخر بما لذ وطاب من الأطعمة والحلويات. تتسابق الأسر في استعراض مهاراتهم في الطهي، وتتنافس في تصوير موائد الطعام ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي.

 

وبدلًا من أن تتحول القلوب إلى بعضها، نجدها مشغولة بالتباهي والتنافس. غاب التراحم والتعاطف، وحلت الأنانية والظهور محل الإيثار والمحبة. أصبح شهر رمضان فرصة للتسوق والترفيه، بدلًا من أن يكون شهرًا للتقرب إلى الله وتهذيب النفس.

 

أصبحنا نرى في رمضان سباقًا نحو المطاعم والمقاهي، بحثًا عن أشهى المأكولات وأكثرها فخامة. نسينا أن هناك الكثير من المحتاجين الذين يعانون الجوع والحرمان، والذين يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة.

 

نعم، تغيرت الحياة وتغيرت معها الكثير من القيم. ولكن، هل فات الأوان بعد؟

 

لا، لم يفت الأوان بعد. ما زال بإمكاننا أن نستعيد روح رمضان الحقيقية، وأن نعود إلى جوهر الشهر الكريم. يمكننا أن نركز على العبادة والتفكر، وعلى صلة الرحم والتكافل الاجتماعي. يمكننا أن نقدم المساعدة للمحتاجين، وأن نتفقد الفقراء والمساكين، وأن نشاركهم فرحة العيد.

 

فلنتوقف قليلًا وننظر حولنا، ونعِ ما يحدث. لنعيد إحياء قيم المحبة والتآخي، ولنجعل رمضان شهرًا للتغيير الإيجابي، شهرًا للعودة إلى الله وإلى أنفسنا.

 

فلنعد إلى ذلك الزمان الجميل، زمن اللهفة والشوق والحنين، ولنجعل رمضان شهرًا يعبق بالروحانية والإيمان، شهرًا يجمعنا على الخير والمحبة، ويجعلنا أمة واحدة متراحمة متآخية.

 

لنبدأ الآن، ولنعد رمضان كما ينبغي أن يكون!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *