المظاهر لا تصنع قيمة الإنسان
بقلم : مستشار محمود السنكري
ليس كل من ارتدى ثوبا فاخرا أصبح راقيا وليس كل من جلس على مقعد عال صار كبيرا فبعض الوجوه تلمع من الخارج بينما تخفي خلف بريقها نفوسا خاوية وبعض الأشخاص يملكون من زينة الدنيا الكثير لكنهم يفتقرون إلى أبسط مقومات الإنسانية.
يا سادة ليست العظمة في ماركة ترتديها ولا في ساعة تتباهى بثمنها ولا في سيارة تلفت الأنظار ولا في منصب تتحدث عنه في كل مجلس.
العظمة الحقيقية أن تكون صاحب عقل يزن الأمور وأخلاق ترفع المقام ونفس تعرف كيف تحترم الآخرين دون أن تنتظر منهم مقابلا.
كم من شخص تراه أنيقا في مظهره لكنه قبيح في تعامله وكم من صاحب منصب يظن أن الناس تنحني لشخصه بينما هي لا ترى فيه سوى كرسيه وكم من إنسان يملأ الدنيا حديثا عن الرقي وهو أول من يسقط عند أبسط اختبار للأخلاق.
إن المظاهر قد تمنح إعجاب العيون لبعض الوقت لكنها لن تمنحك احترام القلوب والمال قد يشتري لك أفخم الأشياء لكنه يعجز عن شراء الذوق والأدب والأصالة والمنصب قد يفتح لك الأبواب لكنه لن يصنع لك قيمة إن كنت تفتقر إلى قيمة نفسك.
فليس كل أنيق راقيا وليس كل ثري عظيما وليس كل صاحب لقب يستحق التقدير.
المؤسف أن البعض أصبح يقيس الناس بما يملكون لا بما يكونون… ينظر إلى الثياب قبل الأخلاق وإلى الأرصدة قبل العقول وإلى الألقاب قبل المواقف، حتى أصبح الاستعراض عندهم أهم من الجوهر وصناعة الصورة أهم من صناعة الإنسان.
وهنا تكمن المفارقة المضحكة أن هناك من ينفق آلافا ليبدو عظيما بينما لا يكلف نفسه عناء إصلاح كلمة جارحة أو تصرف مهين أو خلق سيئ، يلمع حذاءه وينسى أن يلمع ضميره ويتفنن في اختيار ملابسه ولا يعرف كيف يختار كلماته.
إن الإنسان الحقيقي لا يحتاج إلى أن يرفع صوته ليعلن قيمته ولا أن يستعرض ما يملك ليحصل على الاحترام. حضوره يتحدث عنه وأخلاقه تسبقه ومواقفه تضعه في المكان الذي يستحقه.
واعلم أن الناس قد تنبهر بما ترتديه لكنها لن تحترمك إلا بما تفعله، قد تنجح في خداع العيون بصورة جميلة لكنك لن تستطيع خداع المواقف حين تكشف حقيقتك فالمعدن الأصيل يظهر عند الاختلاف وعند المصلحة وعند القدرة على رد الإساءة لا في الصور والمجاملات.
لا تجعل ثمن ما ترتديه أكبر من قيمة ما تحمله في داخلك ولا تجعل منصبك أعلى من أخلاقك ولا تظن أن بريق الأشياء يمنحك بريقا في عيون الناس.
فكم من بسيط المظهر عظيم المقام وكم من فاخر المظهر صغير النفس وكم من إنسان لا يملك إلا كلمته لكنه عند الشدائد يساوي رجالا كثيرين ممن يملكون الدنيا ولا يملكون الوفاء.
وفي النهاية.. ستبلى الثياب وستتغير الموضات وستزول المناصب وستتبدل الأحوال ولن يبقى للإنسان إلا أثره وسيرته وما تركه من احترام في قلوب الآخرين.
فلا تنشغل بأن تبدو عظيما أمام الناس وانشغل بأن تكون عظيما في حقيقتك.
فالمظهر قد يصنع انطباعا والمال قد يصنع وجاهة والمنصب قد يصنع نفوذا لكن الأخلاق وحدها هي التي تصنع قيمة الإنسان.
فالذهب لا يحتاج إلى صراخ كي يثبت أنه ذهب أما الزيف فيظل محتاجا إلى البريق حتى يخفي حقيقته.

