خلف أبواب عابدين.. يوم الأميرة الذي لم تره الصور
كتبت: داليا حسام
بعد ما فتحنا في الحلقة اللي فاتت باب الأميرات، وعرفنا إن لقب «الأميرة» ماكانش مجرد كلمة تسبق الاسم، وإن الحياة داخل القصر كانت بتبدأ من الطفولة بقواعد مختلفة عن أي بيت آخر…
آن الأوان نقفل باب الأميرات بحكاية مختلفة.
لأن الصور الرسمية غالبًا بتورينا الأميرة وهي واقفة في مناسبة، أو قاعدة إلى جوار الأسرة، أو مرتدية فستانًا أنيقًا يليق بمكانتها.
لكن الصورة لا تحكي لنا اليوم كله.
لا تقول لنا أين كانت تقضي الأسرة الملكية أشهر الصيف، ولا كيف كان للقصر أماكن مخصصة للأميرات، ولا كيف خرجت حياة الأميرات تدريجيًا من الجدران المغلقة إلى التعليم والسفر والعمل والحياة العامة.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية…
الأميرة لم تكن تعيش داخل عابدين طوال الوقت
قصر عابدين كان مقرًا رئيسيًا للحكم، وكان الجزء المخصص للعائلة مختلفًا عن الأماكن التي تُقام فيها المقابلات والمراسم والاستقبالات.
لكن حياة الأسرة الملكية لم تكن محصورة في عابدين.
ففي الإسكندرية كان هناك قصر رأس التين، الذي تحول منذ عهد الخديوي إسماعيل إلى مقر صيفي لحكام أسرة محمد علي.
وفي عهد الملك فاروق
أضيف إلى رأس التين مبنى خاص بالأميرات، وكانت الملكة والأميرات يلحقن بالملك هناك خلال الصيف. وتذكر الصفحة الرسمية للقصر أن مبنى الأميرات كان يتكون من طابق أرضي وطابقين علويين، وارتبط بمبنى القصر بممرات زجاجية.
وده تفصيل مهم جدًا في حكاية الأميرات؛ لأننا هنا لا نتكلم عن مجرد غرفة أو جناح داخل قصر، وإنما عن مساحة معمارية أُضيفت خصيصًا لتكون جزءًا من حياة الملكة والأميرات في الإقامة الصيفية.
يعني عالم الأميرات لم يكن مجرد «غرفة بنات» داخل القصر.
كان له مكانه ومساحته وتنظيمه.
الصيف كان له قصر آخر
رأس التين لم يكن مجرد مكان للراحة.
كان واحدًا من أهم القصور الملكية في الإسكندرية، وكانت الأسرة تنتقل إليه في الصيف، ومع هذا الانتقال تتغير طبيعة الحياة من أجواء القاهرة الرسمية إلى إقامة صيفية على البحر.
والأهم أن القصر نفسه كان يضم عالمًا نسائيًا واضحًا.
فالصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية تذكر وجود الحرملك ومبنى الأميرات ضمن مكونات القصر، إلى جانب الممرات التي تربط المباني ببعضها.
وهنا نفهم شيئًا مهمًا عن حياة الأميرات:
القصر لم يكن مكانًا واحدًا له وظيفة واحدة.
كان فيه أماكن للحكم، وأماكن للاستقبال، وأماكن للعائلة، وأماكن للنساء، ومساحات تتحرك فيها الأسرة بعيدًا عن المشهد الرسمي.
وده بالضبط الجزء الذي لا يظهر في الصور.
من المراسم إلى الحياة العادية
الأميرة كانت مطالبة بأن تعرف كيف تظهر أمام الناس، وكيف تتصرف في المناسبات، وكيف تحافظ على صورة العائلة الملكية.
لكنها في النهاية كانت فتاة تكبر.
لها اهتماماتها، ودراستها، وعلاقاتها، وهواياتها، ثم عندما تكبر تصبح أمام اختيارات أكبر بكثير.
واللافت أن بنات الملك فاروق لم يعشن جميعًا الحياة نفسها بعد سنوات القصر.
الأميرة فريال
مثلًا، ظهرت في مصادر صحفية لاحقة باعتبارها درست في سويسرا، وهو ما يكشف جانبًا من انتقال التعليم الملكي إلى بيئات خارج مصر.
الأميرة فادية
اتجهت حياتها لاحقًا إلى أوروبا، وتزوجت في لندن، وأصبح لها أبناء وحياة بعيدة عن مصر، مع احتفاظ أسرتها بجذورها المصرية.
وقد ذكرت مصادر مصرية لاحقة تفاصيل عن حياتها وأسرتها ودفنها في مصر.
أما الأميرة فايزة
فكان لها حضور مختلف؛ فقد ارتبط اسمها في مصر بالعمل العام والنشاط في الهلال الأحمر، كما عُرفت باستقبال شخصيات سياسية ورسمية،
ثم عاشت بعد خروج الأسرة المالكة من مصر في عدة مدن قبل أن تستقر في الولايات المتحدة.
يعني الأميرة، عندما خرجت من القصر، لم يكن أمامها طريق واحد.
كل واحدة صنعت طريقها بطريقتها.
وحتى الأميرة كان لها حضور عام
الصورة النمطية للأميرة ممكن تخلينا نتخيل إنها كانت بعيدة تمامًا عن المجتمع.
لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا.
بعض الأميرات ظهرن في المناسبات الاجتماعية والخيرية، وبعضهن ارتبط اسمه بأعمال عامة، وبعضهن اتجه إلى التعليم أو الحياة الأسرية أو الفن أو السفر.
والأميرة فايزة مثال واضح على ذلك؛ فالمصادر المعاصرة واللاحقة تحدثت عن دورها في الهلال الأحمر، وعن حضورها الاجتماعي وعلاقاتها بشخصيات عامة.
وهنا نكتشف أن البروتوكول لم يكن معناه أن الأميرة تعيش خلف باب مغلق.
بالعكس…
كان معناه أن ظهورها في المجتمع له حساباته.
الملابس كانت جزءًا من الحكاية
وإحنا طول السلسلة ماكانش اهتمامنا بالملابس لمجرد الفستان وشكله.
لأن داخل القصر، المظهر كان جزءًا من الصورة العامة.
الملكة لها مقام.
والأميرة لها مقام.
والمناسبة لها طبيعتها.
والظهور الرسمي يختلف عن الحياة العائلية.
وده لا يعني إن كل أميرة كانت ترتدي ملابس متطابقة أو أن هناك «زيًا ملكيًا» واحدًا ثابتًا؛ بالعكس، الأزياء كانت تتغير مع الزمن والموضة والعمر والمناسبة.
لكن الثابت أن المرأة داخل الأسرة المالكة كانت تظهر وهي تحمل معها صورة الأسرة ومكانتها.
ولهذا كان اختيار الملابس، وتسريحة الشعر، والمجوهرات، وطريقة الظهور، جزءًا من لغة اجتماعية أكبر.
لغة لا تحتاج إلى كلام.
والأميرة كانت تكبر أمام الناس
من أجمل الأشياء التي تكشفها صور العائلة المالكة أن الأميرة لا تظل في الصورة نفسها.
طفلة…ثم فتاة…ثم شابة…ثم امرأة لها حياة مستقلة.
وفي حالة بنات فاروق، يمكن أن نرى هذا التحول بوضوح أكبر لأن بعضهن وُلدن في سنوات الملكية الأخيرة، ثم وجدن أنفسهن بعد 1952 أمام عالم مختلف تمامًا.
حتى الأميرة فريال، التي أصبحت صورتها مرتبطة بطفولة العائلة المالكة، ظهرت صورتها في الحياة العامة المصرية في أكثر من مناسبة،
وظل اسمها حاضرًا في الذاكرة المصرية، حتى إن أحد المواقع في بورسعيد حمل اسمها في فترة من تاريخ المدينة.
وفي النهاية، لم تعد حياة الأميرات مجرد امتداد للقصر.
أصبحت لكل واحدة حكايتها الخاصة.
لكن ماذا حدث عندما انتهى زمن القصر؟
هنا تأتي اللحظة التي غيّرت كل شيء.
في يوليو 1952 انتهى العهد الملكي.
ولم يعد اللقب وحده كافيًا لحماية صاحبه من التحول الكبير الذي حدث في مصر.
غادر الملك فاروق مصر على اليخت «المحروسة»، وكانت الأسرة معه في رحلة الخروج من البلاد.
وتوثق الصور التي نشرتها «الأهرام» مشهد الأسرة في إيطاليا بعد الرحيل، ومن بينهم الملك فاروق والملكة ناريمان والأميرات فريال وفادية والأميرة فوزية.
في تلك اللحظة لم يعد هناك قصر يستقبل الأميرة باعتبارها أميرة.
ولا مراسم تنتظرها.
ولا باب رسمي يُفتح لها لمجرد لقبها.
وهنا بدأت أصعب مرحلة في الحكاية:
أن تتحول الأميرة من شخصية يعيش حولها نظام كامل… إلى امرأة عليها أن تعيش حياتها بنفسها.
من «أميرة» إلى «امرأة»
وده يمكن يكون أهم درس في حكاية الأميرات كلها.
اللقب ممكن يفتح بابًا…
لكن لا يستطيع أن يعيش حياتك بدلًا منك.
فريال وفادية وفايزة وغيرهن من نساء الأسرة الملكية عشن مراحل مختلفة بعد انتهاء الملكية، بعضهن استقر خارج مصر، وبعضهن حافظن على صلاتهن بمصر،
وبعضهن عشن بعيدًا عن الأضواء.
حتى فريال، التي بقيت صورتها مرتبطة بمرحلة طفولتها الملكية، انتهت حياتها ودُفنت في مصر، إلى جوار أفراد من أسرتها في مسجد الرفاعي.
وكأن الحكاية، بعد كل الرحيل، عادت مرة أخرى إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء: مصر
وهنا نفهم معنى «عالم الأميرات»
لما نقول «أميرات القصر»، ماينفعش نتخيل مجموعة من الفتيات يعشن حياة واحدة.
كل أميرة كانت لها مرحلة.
طفولة داخل نظام ملكي.
تعليم وتربية على قواعد معينة.
ظهور محسوب.
ملابس ومناسبات.
حياة صيفية بين القصور.
ثم زواج أو سفر أو عمل أو حياة أسرية.
وبعد 1952…
كان على كل واحدة أن تعرف نفسها بعيدًا عن اللقب.
وده اللي يخلي حكاية الأميرات مختلفة عن حكاية الملكات.
الملكة كانت تدخل القصر وهي تحمل مسؤولية لقبها.
أما الأميرة…
فكانت تبدأ حياتها وهي تتعلم معنى هذا اللقب قبل أن تعرف ماذا تريد لنفسها.
ثم يأتي اليوم الذي يصبح عليها فيه أن تختار طريقها.
ونقفل باب الأميرات من هنا
من داخل عابدين بدأنا نقترب من المرأة التي كانت خلف الصورة الرسمية.
شفنا الملكة وهي زوجة.
ثم وهي أم.
ثم وهي ملكة.
وشفنا كيف كانت المراسم تحيط بها، وكيف كانت الملابس والمجوهرات والإتيكيت جزءًا من عالمها.
ثم فتحنا باب الأميرات…
فاكتشفنا أن وراء اللقب طفولة، وتعليمًا، وحياة داخل القصور، وانتقالًا بين القاهرة والإسكندرية، ومراحل كاملة من العمر لم تحفظها الصور كلها.
ورأس التين تحديدًا ترك لنا شاهدًا معماريًا واضحًا على وجود عالم خاص للأميرات، حين أضيف مبنى الأميرات إلى القصر في عهد الملك فاروق ليكون للملكة والأميرات خلال الإقامة الصيفية.
لكن الزمن لا يترك الأبواب مفتوحة إلى الأبد.
جاء عام 1952…
وأُغلق باب القصر.
وانتهت وظيفة اللقب.
وبدأت حياة أخرى.
ومن هنا، نقفل باب الأميرات فعلًا.
لا لأن حكاياتهن انتهت…
ولكن لأننا أخذنا منها ما يخص عالمنا داخل «خلف أبواب عابدين»: المرأة، والمكان، والمظهر، والمراسم، والحياة خلف الصورة.
أما الباب القادم…
فلن يكون عن ملكة ولا أميرة.
هنسيب الأشخاص شوية…
ونرجع للقصر نفسه.
لأن عابدين مش بس حكايات ناس عاشوا فيه.
عابدين نفسه كان شاهدًا على عصر كامل… وكل باب فيه عنده حكاية.

