مَكْتَبَةُ القَلْبِ
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
رواياتٌ لا نقرؤها… بل تقرؤنا،
فما أكثر البيوت التي يسكنها الناس…
وما أقل البيوت التي يسكنها أحدٌ في أحد.
دخلتُ مكتبةً ذات مساء، أبحث عن روايةٍ أقرأها…
فوجدتُ الروايات جالسةً على الرفوف، تحدّق فيَّ.
لم أسألها: «ماذا تحكين؟»
سألتني إحداها: «وأنت… ماذا تخفي؟»
مددتُ يدي إلى كتاب، فسقطت منه صورةُ امرأة.
فتحتُ كتابًا آخر، فخرج منه رجلٌ يمشي بعكاز الذكرى.
وثالثًا… فسمعتُ قلبًا يبكي في الصفحة الأخيرة.
عندها فهمتُ أن بعض الكتب لا تُقرأ.
بعض الكتب تضع إصبعها على جرحك، ثم تقول لك: هنا أنت.
ومنذ ذلك اليوم لم أعد أؤمن أن الإنسان يختار روايته.
أحيانًا…
الرواية هي التي تختارك.
في رفّ الحب، كانت الحكايات العربية واقفةً كجنودٍ أنهكتهم المعارك، لكنهم لم يخلعوا قلوبهم.
كانت روايات الحب مصطفةً كأنها شهودٌ في محكمةٍ لا قاضِيَ فيها.
«أنتِ لي»…
كلمة طفلة صغيرة، لكنها لم تكن تعرف أنها حين قالتها كانت تضع أول حجر في سجنٍ اسمه الفقد.
كبرت الكلمة.
كبر معها الحب.
كبرت الحرب.
كبر السجن.
وكبرت المسافة بين قلبين لم يعرفا أن الحب أحيانًا لا يموت…
بل يُترك حيًّا كي يتعذب. إن القلب، حين يقول «لي»، لا يعني الملكية دائمًا…
قد يعني: لا أريد أن أفقدك.
وفي «في قلبي أنثى عبرية» وقف الحب أمام جدارٍ من الدين والمجتمع والاختلاف. هنا
يصطدم الحب بما حوله من جدران؛ فيبدو السؤال أكبر من العاشقين:
هل الحب بابٌ يعبر منه الإنسان إلى الآخر؟
أم بابٌ يعبر منه الإنسان إلى نفسه؟
لكنني لم أسأل: من انتصر؟
سألت: لماذا يحتاج الحب أحيانًا إلى أن يحارب كل شيء حتى يثبت أنه كان موجودًا؟
وفي «ذاكرة الجسد» فقد رجل ذراعه في الحرب.
لكن الغريب أن الذي بقي يكتب لم يكن اليد.
كان الوجع.
وهنا فهمت:
الجسد قد يفقد عضوًا،
أما الذاكرة فتحتفظ بالجسد كله.
وفي «الأسود يليق بك» لم تكن المرأة ترتدي ثوبًا أسود.
كان الأسود هو الشيء الوحيد الذي لم يستطع أحد أن ينتزعه منها.
أما الرجل الذي أراد أن يلون حياتها، فلم يكن يحاول تغيير لون فستانها…
ربما كان يحاول تغيير معنى الحزن في قلبها.
ثم جاءت «هيبتا»…
فإذا بالحب ليس لحظةً واحدة، بل سبع محاولات لإنقاذ الشيء نفسه من الموت.
وبعض الحب لا يموت لأنه ضعيف.
يموت لأنه تعب من محاولة إقناع صاحبه بأنه يستحق الحياة.
ثم «أحببتك أكثر مما ينبغي».
وهنا ارتبكت المكتبة.
لأن السؤال لم يعد: هل تحبني؟
بل: كم بقي مني بعد أن أحببتك؟
فالحب الذي يأخذ منك كرامتك، هل ما زال حبًا؟
أم أن الإنسان قد يعبد جرحه أحيانًا، ثم يسمي عبادته وفاء؟
وفي «فلتغفري» يأتي الكبرياء متأخرًا…
كطبيب وصل إلى غرفة العمليات بعد أن نزف المريض حتى آخر اعتراف.
ثم وجدتُ «الحب في المنفى».
فهمت أن المنفى ليس أن تبتعد عن وطنك.
قد يكون أن تعيش بجوار من تحب…
ولا تصل إليه.
وقد يكون الوطن نفسه إنسانًا.
وحين يرحل، تصبح الغربة وطنًا طويلًا.
ثم جاءت «عصر الحب» لتذكرني بأن الحب لا يحتاج قصرًا كي يكون عظيمًا.
قد يعيش في حارة.
في نافذة.
في انتظار.
في يدٍ ترتجف وهي تطرق بابًا تعرف أن خلفه قلبًا آخر.
ثم وصلتُ إلى الرف الذي كتب عليه: «الحب الذي لا يبحث عن الآخر… بل يبحث عن الله.»
هناك كان شمس التبريزي واقفًا أمام جلال الدين الرومي.
لم يكن شمس يحمل كتابًا.
كان يحمل نارًا.
ولم يكن الرومي محتاجًا إلى معلّم جديد.
كان محتاجًا إلى شخصٍ يجرؤ على هدم المعلم القديم الذي يسكن داخله.
وهذا هو الفرق بين المعرفة والحكمة:
المعرفة تزيد ما عندك.
أما الحكمة فتنقص منك ما لا تحتاجه.
دخل شمس إلى عالم الرومي، فلم يعطه إجابة.
أعطاه زلزالًا.
وأحيانًا لا يرسل الله إلى حياتنا شخصًا ليبقى.
يرسله ليهدم شيئًا فينا…
ثم يرحل.
ونبقى نحن أمام الأنقاض، لأول مرة، قادرين على رؤية السماء.
ولهذا ربما لم يكن شمس حبيب الرومي.
كان سؤال الرومي الذي جاء متأخرًا.
وبعد ثمانية قرون، كانت إيلا تقرأ في مكانٍ بعيد.
بيتٌ مرتب.
حياةٌ مكتملة.
وقلبٌ ناقص.
وهنا تذكرت شيئًا مخيفًا:
ليس كل ما يبدو حياةً من الخارج حيًّا من الداخل.
قد ينام الإنسان في بيته سنوات…
ثم يستيقظ ذات يوم ليكتشف أنه كان ضيفًا في حياته.
تقرأ إيلا عن شمس…
فتكتشف أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى شخصٍ ينقذه.
أحيانًا يحتاج إلى مرآةٍ لا تكذب.
وهذه هي قسوة بعض الكتب.
أنها لا تمنحك الراحة.
تمنحك الحقيقة.
والحقيقة لا تُربّت على كتفك.
الحقيقة تفتح النافذة…
وتقول:
انظر.
هذا هو السجن الذي سميته أمانًا.
ثم وجدتُ ظرفًا أبيض في آخر الرف.
لا عنوان عليه.
فتحته.
فخرجت منه رسالة إلى ميلينا:
«كان بإمكاننا إصلاح الأمور…»
توقفت.
لم أكمل.
لأنني شعرت أن الرسالة لم تكن له وحده.
كانت لنا جميعًا.
كل واحدٍ منا لديه «ميلينا» ما.
شخصٌ كان يكفيه اعتذار.
أو تنازل.
أو كلمة في موعدها.
لكننا أحيانًا نصل إلى الحكمة بعد انتهاء الحاجة إليها.
نقول:
أخطر كلمتين في قاموس القلب.
«كان يمكن».
فكل «كان يمكن» قبرٌ صغير لشيءٍ كان يستطيع أن يعيش.
ثم قرأت:
كانت تقول «صباح الخير»…
فيصبح الصباح كله ملكًا لصوتها.
وكانت تقول «تصبح على خير»…
فيغلق الكون أبوابه.
هكذا يفعل الحب.
لا يحتاج إلى أحداث عظيمة.
قد يعلّق عمرًا كاملًا على كلمةٍ عابرة.
ثم يأتي الفقد…
فيكتشف الإنسان أن الأشياء التي كان يظنها صغيرة كانت تحمل حياته كلها.
في آخر الرسالة وجدت:
أن الأشياء التي نحبها معرضة للفقد.
حتى الذين وعدونا بالبقاء لا يملكون مفاتيح الزمن.
حتى نحن…
لسنا النسخة نفسها التي أحبها الآخرون.
نحن أيضًا نسافر من أنفسنا.
نترك وراءنا وجوهًا قديمة.
وأخطاءً قديمة.
وقلوبًا قديمة.
ثم نلتفت فلا نجدها.
لكن ربما لا يعود الحب بالطريقة التي ذهب بها.
ربما يعود أكثر حكمة.
أقل ضجيجًا.
أشد رحمة.
ربما يعود في قصيدة.
أو في رواية.
أو في يدٍ تربت على كتف غريبٍ مكسور.
أو في قلبٍ جديد…
تعلم أخيرًا أن الحب ليس امتلاكًا،
وأن الفقد ليس دائمًا نهاية.
أغلقتُ الرسالة.
فسمعتُ صوتًا من آخر المكتبة:
— هل وجدتَ الكتاب الذي تبحث عنه؟
التفتُّ.
لم يكن هناك أحد.
نظرتُ إلى الرفوف.
فوجدتُ كل الروايات قد اختفت.
وبقي كتابٌ واحد.
كان غلافه أبيض.
اقتربت.
لم يكن عليه اسم مؤلف.
ولا اسم رواية.
فتحت الصفحة الأولى…
فوجدت اسمي.
وفي الصفحة التالية…
وجدتُ اسم من أحببت.
وفي الصفحة الثالثة…
وجدتُ اسم من فقدت.
وفي الصفحة الرابعة…
وجدتُ شيئًا لم أفهمه.
كانت الصفحة فارغة.
ظللتُ أحدق فيها طويلًا.
ثم فهمت.
ليست كل النهايات تُكتب.
بعضها يُترك للقلب.
وبعض القصص لا تحتاج إلى نهاية…
لأن صاحبها ما زال يعيشها.
رفعتُ رأسي.
كانت المكتبة قد اختفت.
وبقيتُ وحدي.
أو هكذا ظننت.
لأنني سمعتُ صوتًا من داخلي يقول:
لا تبحث عن روايةٍ تشبه حياتك.
ابحث عن حياتك التي لم تجرؤ بعد على قراءتها.
ومنذ ذلك اليوم…
كلما فتحتُ كتابًا،
لا أسأل:
ماذا سيحدث في النهاية؟
أسأل:
ماذا سيحدث لي أنا؟
فبعض الروايات تُقرأ بالعين…
وبعضها بالقلب…
أما أخطرها،
فهي التي تفتحها أنت،
ثم تكتشف أنها كانت مفتوحةً فيك منذ البداية.

