قَــــاف
الجَبَلُ الَّذِي اخْتَبَأَ خَلْفَ حُدُودِ الرُّؤْيَةِ
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
لماذا نعتقد أن العالم ينتهي عند آخر شيءٍ تستطيع أعيننا رؤيته؟ ومن أقنع الإنسان أن ما لم تطأه قدماه لم يوجد، وما لم تلمسه يداه لم يُخلق، وما عجز عقله عن تفسيره لا بد أن يكون وهمًا؟
يا لهذا الغرور البشري!
نحن كائناتٌ صغيرة، نسكن ذرةً معلقة في اتساعٍ لا نعرف له أولًا ولا آخرًا، ثم نرفع رؤوسنا إلى السماء، ونظن أننا نرى كل شيء!
تأمل السماء…
ذلك السقف الذي لا سقف فوقه في إدراكنا، وتلك الزرقة التي لا نعرف أين تبدأ حين نحدق فيها، ولا أين تنتهي حين نطاردها بأبصارنا. نراها فوقنا، ولا نرى ما يسندها، ونعيش تحتها، ولا نملك أن نسألها عن سر بقائها.
وكأن الكون يضع أمام أعيننا أعظم مفارقة: نرى الارتفاع، ونجهل سرَّ الاستقرار؛ نرى المشهد، ويغيب عنا سرُّ المشهد.
وهنا تتردد في أعماق الروح آيةٌ لا يشيخ معناها، ولا تنقضي دهشتها:
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.
قف قليلًا عند جلال المشهد، ولا تجعل عادتك في سماع الآيات تحجب عنك عظمة ما تتلو.
سماءٌ مرفوعة، وأرضٌ مستقرة، ونجومٌ تسبح في أفلاكها، وكونٌ يمضي في نظامٍ لا يختل؛ فأيُّ قدرةٍ تلك التي أقامت هذا البناء دون أن تستعين بما اعتاده البشر من دعائم وأعمدة؟
وقد تعددت أقوال أهل التفسير في معنى الآية؛ فمنهم من ذهب إلى أن السماوات مرفوعة بغير عمد، ومنهم من حمل المعنى على وجود عمدٍ لا تُرى. وفي كلا القولين يبقى المعنى الذي لا يختلف عليه المؤمنون: أن الله هو الذي رفع السماوات، وأن قدرته لا تحدُّها رؤيتنا، ولا تحيط بها تصوراتنا.
لكن الذاكرة التراثية القديمة لم تكتفِ بمشهد السماء، بل نسجت حوله حكايةً تستحق أن نتوقف عند غرابتها…
كان اسمها: قاف.
يقول بعض أصحاب المرويات القديمة إن وراء الأرض جبلًا عظيمًا يطوّقها، اسمه قاف؛ جبلٌ من زمردٍ أخضر، تتصل به عروق الجبال، وكأن جبال الدنيا ليست إلا أطرافًا صغيرة من جسده الهائل. وتذهب الحكاية إلى أن زرقة السماء انعكاسٌ لخضرته، وأن الأرض تستقر داخل ذلك الطوق الغامض.
يا لها من صورة!
تخيل الأرض وهي جوهرةٌ صغيرة في خاتمٍ لا نرى إصبعه، وتخيل الجبال التي نظنها شامخةً متفردة، فإذا بها في تلك الحكاية مجرد تجاعيد في جسد جبلٍ لا تعرفه الخرائط.
كأن الأقدمين أرادوا أن يقولوا إن للعالم جدرانًا لا نراها، وإن وراء المشهد الذي نألفه مشهدًا آخر لا نملك مفاتيحه.
قاف!
اسمٌ من حرفين، لكنه في الخيال أوسع من خرائط الأرض، وأبعد من حدود البصر؛ حرفٌ بدا كأنه بابٌ فُتح في جدار المجهول، ثم أُغلق قبل أن نعرف ما وراءه.
ولعل المفارقة أن الإنسان الذي يبحث عن نهاية الكون، لم يكتشف بعد نهاية غروره!
ولكن، هل كان قاف حقيقةً أم حكاية؟
هنا ينبغي أن نخلع عن الخيال عباءته، ونترك للحقيقة مكانها.
فجبل قاف المحيط بالأرض من المرويات التراثية التي لم يثبتها القرآن، ولم يقم عليها دليل صحيح، وقد نبه علماء التفسير إلى دخول أخبار إسرائيلية في بعض هذه التصورات. فلا يصح أن نجعل قاف عمودًا يحمل السماء، ولا أن ننسب إلى الآية تفسيرًا لم تقرره.
لكن سقوط الحكاية بوصفها حقيقةً لا يسقط جمالها بوصفها أثرًا من آثار المخيلة الإنسانية التي حاولت أن ترسم للمجهول وجهًا.
وهنا تبدأ الحكاية الأعمق…
إننا لا نعيش في عالمٍ نعرفه، بل في عالمٍ كلما عرفنا منه شيئًا اكتشفنا أن وراءه أشياء.
كم من حقيقةٍ نامت طويلًا تحت ركام الإنكار، وكم من مجهولٍ كان ينتظر عقلًا لا يخشى السؤال!
كان الإنسان قديمًا ينظر إلى السماء فيراها قبةً زرقاء، ثم أخذ العلم يفتح له نوافذ لم يكن يحلم بوجودها. وكلما اتسعت الرؤية، اتسعت معها مساحة ما لا يعرفه.
وهكذا يبدو العقل البشري كمن يحمل مصباحًا في صحراء؛ كلما أضاء خطوةً، اكتشف أن الظلام لم يكن نهاية الطريق، بل بداية طريقٍ آخر.
وما أكثر جبال قاف التي تسكن حياتنا!
أشياء لا نراها، لكننا نرى آثارها؛ دعوة أمٍّ تسافر في الغيب، ويدٌ خفية تمتد في لحظة عجز، وسترٌ يحيط بنا دون أن نعرف كم مرة حال بيننا وبين السقوط.
وليس معنى ذلك أن نصدق كل ما يُروى، أو نمنح الخرافة تاج الحقيقة؛ بل أن نتواضع أمام الوجود، فلا نجعل من حدود أعيننا حدودًا لخلق الله، ولا من قصور معرفتنا حكمًا على أسراره.
فالعين ترى، والعقل يتأمل، والقلب يؤمن؛ ولكلٍّ من هذه النوافذ حدود.
وفي نهاية المطاف، ربما لم يكن السؤال الأجمل: أين يقع جبل قاف؟
بل: لماذا يصرُّ الإنسان على أن يرى كل شيءٍ حتى يطمئن إلى وجوده؟
إن السماء لا تحتاج إلى أن نكتشف أعمدتها كي نؤمن بعظمة خالقها، والكون لا ينتظر شهادتنا حتى يستمر في دوران عجائبه.
فإذا رفعت رأسك في ليلةٍ صافية، ورأيت النجوم تتلألأ في صدر السماء، فلا تبحث عن زمردةٍ خضراء وراء الأفق، ولا تُحمِّل قاف ما لم يثبت عنه؛ فقط تأمل ذلك الجلال الذي عجزت الكلمات عن وصفه.
سلامٌ على المجهول حين يدعونا إلى التأمل، وسلامٌ على العقل حين يعرف قدره، وسلامٌ على الحقيقة حين لا نُحمِّلها أوزار خيالنا.
فما أضيق الأرض حين يسكنها عقلٌ يظن أنه أحاط بكل شيء، وما أوسعها حين يسكنها قلبٌ يعرف أن وراء كل أفقٍ أفقًا، ووراء كل معرفةٍ بابًا، وأن علم الإنسان مهما اتسع يظل قطرةً في بحر علم الله.
قَاف…
ربما لم يكن الجبل الذي تخيله الأقدمون، وربما لم يكن سوى صورةٍ رسمها الخيال على جدار الغيب؛ لكن السؤال الذي تركه لنا لا يزال قائمًا:
كم من الأشياء نعيش في ظلالها، ولا نعرف حتى أسماءها؟

