ذكرى انتصار 6 أكتوبر: حين كسرت الحرب جدار الجمود وفتحت أبواب السياسة.
بقلم: مناضل حنني
في ذكرى السادس من أكتوبر، لا بد من التوقف أمام حرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة تاريخية كسرت جدارًا من الجمود، وأعادت التأكيد على أن الاحتلال ونتائج الحروب لا تتحول بالضرورة إلى واقع دائم.
بعد ست سنوات من حرب يونيو 1967، بدا الشرق الأوسط أمام واقع شديد التعقيد: أراضٍ عربية تحت الاحتلال، وميزان عسكري مختل، ومسار سياسي عاجز عن تحقيق تسوية، وقناعة بأن نتائج 1967 تحولت إلى أمر واقع يصعب تغييره.
جاءت حرب أكتوبر لتكسر هذه القناعة. لم يكن العبور مجرد إنجاز عسكري، بل إعادة بناء لفكرة المبادرة، وإثباتًا أن ميزان القوة يمكن اختراقه، وأن الواقع الذي فرضته الحرب ليس محصنًا إلى الأبد.
ولم تبقَ الحرب داخل حدود الجبهتين المصرية والسورية، بل تحولت سريعًا إلى أزمة دولية في قلب الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. كما امتد تأثيرها إلى الاقتصاد العالمي، عندما استخدمت الدول العربية المنتجة للنفط ورقة النفط، فتحولت الحرب إلى أزمة طاقة ذات آثار سياسية واقتصادية واسعة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الحرب التي بدأت في الميدان فتحت طريقًا إلى السياسة.
قبل أكتوبر، كانت الدبلوماسية عاجزة إلى حد كبير عن تغيير الواقع. وبعدها أصبح هناك واقع جديد يمكن التفاوض عليه. وبرز الدور الأمريكي، خصوصًا من خلال تحركات وزير الخارجية هنري كيسنجر ودبلوماسية «الخطوة خطوة»، وصولًا إلى ترتيبات فصل القوات ثم اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
لذلك، فإن السؤال: هل كانت أكتوبر انتصارًا عسكريًا أم سياسيًا؟ يحتاج إلى قراءة دقيقة. فالحرب لم تنتهِ باستعادة جميع الأراضي المحتلة عسكريًا، كما أن وصفها بانتصار عسكري مطلق يتجاهل تعقيدات الأيام الأخيرة. والأدق أنها نجحت في تغيير المعادلة الاستراتيجية والسياسية للصراع.
كان السادات يدرك أن الحرب ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لكسر الجمود ثم الانتقال إلى السياسة. وهذه إحدى أهم دروس أكتوبر: القوة تستطيع أن تفتح باب التفاوض، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلامًا مستقرًا.
لكن أكتوبر لم تُنهِ الصراع. استعادت مصر سيناء لاحقًا عبر مسار سياسي، بينما بقيت القضية الفلسطينية بلا حل نهائي، واستمر الاحتلال، وبقيت قضايا القدس واللاجئين والحدود والاستيطان والحق في تقرير المصير مفتوحة.
وهنا تكمن أهمية أكتوبر بالنسبة إلى فلسطين. فقد أثبتت الحرب أن الواقع الذي يبدو ثابتًا يمكن تغييره، لكنها أثبتت أيضًا أن تغيير المعادلة لا يعني بالضرورة إنهاء الصراع. فإذا كانت أكتوبر قد فتحت باب السياسة، فإن فلسطين ما زالت تنتظر أن يُفتح من خلاله باب الحل العادل والشامل.
ومن هنا، فإن الدرس الأهم بعد أكثر من نصف قرن ليس فقط من انتصر في الميدان، بل ماذا فعل الانتصار بالسياسة، وهل استطاعت السياسة أن تحوّل تغيير الواقع إلى سلام شامل؟
لقد بدأت معركة أكتوبر في الميدان، لكنها لم تنتهِ هناك؛ ويبقى الاختبار الحقيقي أن لا يكون السلام على حساب شعب فلسطيني ما زال ينتظر حريته وحقوقه الوطنية المشروعة.

