قصر عائشة فهمي بالزمالك.. حكاية صاحبة القصر والغرفة اليابانية
الرئيسية » من بيوت مصر القديمة إلى قصورها.. حكايات لا تنتهي خلف الجدران| قصر عائشة فهمي
مقالات

من بيوت مصر القديمة إلى قصورها.. حكايات لا تنتهي خلف الجدران| قصر عائشة فهمي

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

من بيوت مصر القديمة إلى قصورها.. حكايات لا تنتهي خلف الجدران| قصر عائشة فهمي 

 

✍️ بقلم / داليا حسام 

 

بعد أن تجولنا بين بيوت مصر القديمة، وفتحنا أبوابها لنكتشف حكايات النساء اللاتي عشن خلف جدرانها، ننتقل اليوم إلى عالم القصور المصرية؛

عالم مختلف في تفاصيله، لكنه لا يقل ثراءً بالحكايات التي تستحق أن تُروى.

 

لسنا بصدد الانتقال من مكان إلى آخر فحسب، بل نواصل رحلة في تاريخ مصر الممتد،

الذي كلما تعمقنا فيه اكتشفنا أن وراء كل عصر حكايات لم تأخذ حقها من الضوء، ووراء كل جدار تفاصيل تستحق أن نتوقف أمامها.

 

ومهما كتبنا عن مصر، ومهما حاولنا استيعاب عظمة تاريخها وتنوعه، ستظل هناك صفحات تستحق البحث،

وشخصيات تستحق إعادة الاكتشاف، وحكايات لا تكفيها مقالات ولا تحيط بها الكلمات.

 

ومن هنا، نفتح بابًا جديدًا في رحلتنا، ننتقل فيه من البيوت القديمة إلى القصور، مع الاحتفاظ بزاوية الحكاية التي انطلقت منها سلسلتنا:

النساء خلف الجدران؛ حياتهن، ومكانتهن، وأحوالهن، وما تكشفه الأماكن التي عشن فيها عن الزمن الذي شهد قصصهن.

وتبدأ رحلتنا من قصر عائشة فهمي في الزمالك، أحد المعالم المعمارية والثقافية البارزة في القاهرة،

والمرتبط باسم امرأة لا تزال جوانب من سيرتها أقل شهرة من القصر الذي يحمل اسمها.

 

عائشة فهمي.. الاسم الذي ارتبط بقصر على النيل

 

عائشة فهمي هي ابنة علي باشا فهمي، كبير ياوران الملك فؤاد الأول، وقد نشأت في أسرة ذات مكانة اجتماعية خلال النصف الأول من القرن العشرين،

وهي مرحلة شهد فيها المجتمع المصري تحولات مهمة في الحياة العامة، وفي صورة المرأة ومكانتها، لا سيما داخل العائلات الثرية.

لكن شهرة القصر طغت إلى حد كبير على تفاصيل حياة صاحبته؛

فأصبح المبنى أكثر حضورًا في الذاكرة العامة من جوانب كثيرة في سيرة المرأة التي ارتبط اسمها به.

 

وتذكر الكاتبة سهير عبد الحميد، في تحقيق نشرته مجلة «الأهرام العربي» عام 2017، أن عائشة فهمي تزوجت ثلاث مرات؛ الأولى من الطبيب أحمد سعيد،

ثم الفنان يوسف وهبي، وبعد ذلك أحمد فتحي، الذي وصفه التحقيق بأنه عضو بمجلس الشعب عن دائرة الفيوم.

كما أشار التحقيق إلى أنها لم تنجب، وأن لها نشاطًا في العمل الاجتماعي وارتباطًا بجمعية الهلال الأحمر.

وتظل هذه المعلومات جزءًا من سيرتها المنشورة صحفيًا، مع أهمية الرجوع إلى الوثائق والمصادر المستقلة كلما أردنا التوسع في تفاصيل حياتها.

 

أما زواجها من يوسف وهبي، فيلفت الانتباه إلى تقاطع عالمين بارزين في المجتمع المصري آنذاك:

عالم العائلات ذات المكانة الاجتماعية، وعالم المسرح والفن الذي كان يشهد توسعًا وتأثيرًا متزايدين.

 

وهنا تبرز أهمية النظر إلى حياة النساء في سياق زمنهن، لا باعتبارهن مجرد أسماء ارتبطت برجال مشهورين أو بمبانٍ فخمة،

بل بوصفهن شخصيات عشن داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية التي تستحق الدراسة والفهم.

قصر الخلد.. حكاية المكان وبداياته

على ضفاف النيل، في حي الزمالك، يقف القصر الذي ارتبط باسم عائشة فهمي، وعُرف باسم «قصر الخلد».

 

وتشير مصادر رسمية مصرية إلى أن القصر شُيّد عام 1907، وصممه المهندس الإيطالي أنطونيو لاشياك،

أحد المعماريين الذين تركوا بصمة واضحة في عمارة القاهرة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وتذكر المصادر أن علي بك فهمي، نجل علي باشا فهمي، هو الذي تولى بناء القصر لابنته عائشة.

وتبلغ مساحة القصر نحو 2700 متر مربع، ويتكون من طابقين، إلى جانب البدروم والسطح.

وقد صُمم بطابع أوروبي واضح، وتظهر في تفاصيله الزخارف والأعمال الفنية التي تعكس اهتمامًا بالتكوين المعماري واللمسات الجمالية،

من النقوش إلى العناصر الخشبية والزجاجية،

فضلًا عن اختلاف الطابع الفني من غرفة إلى أخرى.

 

لكن أهمية هذه التفاصيل لا تتوقف عند جمالها؛ فالغرف في القصور القديمة كانت جزءًا من عالم اجتماعي له قواعده،

وكانت المساحات الداخلية تعكس أسلوب الحياة والذوق والمكانة.

 

ومع ذلك، لا يمكننا أن نستنتج من شكل الغرف وحده كيف كانت عائشة تقضي يومها أو تدير حياتها الخاصة؛ فتلك تفاصيل تحتاج إلى شهادات ووثائق، لا إلى الخيال.

الغرفة اليابانية.. تفصيلة استثنائية داخل القصر

 

من أكثر التفاصيل التي تستوقف الزائر في قصر عائشة فهمي الغرفة اليابانية، التي تشير المصادر الرسمية إلى أنها صُممت وأُهديت إلى عائشة.

 

وتضم الغرفة نقوشًا وكلمات وصورًا ذات طابع ياباني على الجدران، إلى جانب تمثالين مطليين باللون الذهبي.

 

وجود غرفة بهذا الطابع داخل قصر ذي ملامح أوروبية يفتح بابًا للتأمل في تنوع التأثيرات الفنية التي عرفتها القصور المصرية في تلك المرحلة.

فالمكان لا يقدم نمطًا زخرفيًا واحدًا، بل يجمع بين عناصر مختلفة، وهو ما يجعل تفاصيله الداخلية جزءًا مهمًا من قيمته التراثية.

 

ويضم القصر كذلك غرفة للملابس في الطابق العلوي، إلى جانب غرف أخرى تتميز بزخارفها وموادها الفنية.

وتكشف هذه المساحات عن اهتمام واضح بتصميم الحياة داخل القصر، لكن من المهم ألا ننسب إلى كل غرفة وظيفة أو حكاية شخصية لا تؤيدها المصادر المتاحة.

وهنا نعود إلى جوهر سلسلتنا: حين ندخل قصرًا ارتبط باسم امرأة، فإننا لا نكتفي بوصف ما تراه العين،

بل نحاول فهم ما يمكن أن تخبرنا به تفاصيل المكان عن عصره، وما الذي نعرفه بالفعل عن المرأة التي عاشت فيه، وما الذي لا يزال بحاجة إلى اكتشاف.

 

من حياة خاصة إلى ذاكرة عامة

 

ظل القصر مرتبطًا بعائشة فهمي حتى عام 1958، حين انتقلت ملكيته إلى وزارة الثقافة.

وفي عام 1975، ضمّه وزير الثقافة آنذاك يوسف السباعي إلى هيئة الفنون والآداب، ثم تحول منذ عام 1976 إلى مجمع للفنون

ليبدأ فصل جديد من تاريخه بوصفه مساحة ثقافية تستضيف الأعمال والمعارض الفنية.

لكن القصر لم يواصل نشاطه الثقافي دون انقطاع؛ إذ توقف نشاطه كمجمع للفنون عام 2005،

وخضع لأعمال ترميم وتطوير امتدت سنوات، قبل أن يُعاد افتتاحه في 17 مايو 2017. كما سُجل المبنى ضمن الآثار عام 2010، تقديرًا لقيمته التاريخية والمعمارية.

ومن خلال هذا الدور، خرج القصر من نطاق المكان السكني الخاص إلى فضاء ثقافي مفتوح، واستضاف معارض وفعاليات فنية،

وأسهم في تقديم أعمال لفنانين مصريين وعالميين.

وهكذا أصبحت جدرانه التي ارتبطت بحياة أسرة بعينها جزءًا من ذاكرة الفن والثقافة في مصر.

ومع تغير وظيفة القصر، بقي اسم عائشة فهمي حاضرًا في الذاكرة العامة، بينما ظلت جوانب من سيرتها أقل شهرة من تاريخ المبنى نفسه.

وربما يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل الحكاية جديرة بالمتابعة: فالمكان محفوظ، وتفاصيله مرئية،

أما حياة صاحبته فتحتاج إلى بحث أعمق حتى نستعيدها من مصادرها، لا من الروايات المتداولة وحدها.

من البيوت إلى القصور.. والبحث مستمر

 

إن الانتقال من بيوت القاهرة القديمة إلى قصورها لا يعني أننا تركنا حكايات النساء خلفنا،

بل إننا نواصل البحث عنها في أماكن أخرى، وبين طبقات اجتماعية مختلفة، وفي عصور حمل كل منها ظروفه وتحولاته.

 

فقصر عائشة فهمي ليس مجرد مبنى جميل على النيل، بل محطة في رحلة طويلة لفهم تاريخ مصر من خلال الأماكن والنساء اللاتي ارتبطت أسماؤهن بها.

ومهما امتدت هذه الرحلة، ستظل حكايات مصر أكبر من أن تُروى مرة واحدة؛ فكل باب نفتحه يقودنا إلى باب آخر، وكلما اقتربنا من الماضي، أدركنا كم لا يزال أمامنا لنكتشفه.

 

«بيوت لها حكاية».. حكايات من قلب التاريخ، نقرأ فيها المكان لنقترب أكثر من الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *