المتحف المصري الكبير يحتفل بمرور عام على افتتاحه.. صرح عالمي يروي 7 آلاف عام من الحضارة المصرية
بقلم: المؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله
في الأول من نوفمبر عام 2025، شهدت مصر والعالم افتتاح المتحف المصري الكبير، ذلك الصرح الحضاري العملاق الذي يقف شامخًا في حضن أهرامات الجيزة،
ليصبح واحدًا من أبرز المعالم الثقافية والأثرية في العالم، وأكبر متحف مخصص لحضارة واحدة، هي الحضارة المصرية القديمة.
واليوم، الأول من نوفمبر 2026، تمر الذكرى السنوية الأولى لافتتاح هذا الصرح الذي يمثل إضافة استثنائية للتراث الإنساني،
ويقدم رحلة ممتدة عبر آلاف السنين من تاريخ مصر، منذ عصور ما قبل الأسرات وحتى العصرين اليوناني والروماني.
ويقع المتحف على مقربة من أهرامات الجيزة، في موقع استثنائي يجمع بين عظمة العمارة المصرية القديمة وروح التصميم المعاصر،
ليكون جسرًا يربط ماضي مصر العريق بحاضرها ومستقبلها.
المتحف المصري الكبير.. حكاية حضارة عبر آلاف السنين
يضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية ضمن مقتنياته، تغطي نحو سبعة آلاف عام من تاريخ الحضارة المصرية،
وتتيح للزائر التعرف على مراحل تطورها، وما شهدته من إنجازات في مجالات العمارة والفنون والعلوم والحياة اليومية والمعتقدات الدينية.
ومن أبرز ما يميز المتحف عرض المجموعة الكاملة لكنوز الملك الشاب توت عنخ آمون، التي تضم أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية من مقتنيات مقبرته،
جُمعت في مكان واحد لتُعرض معًا لأول مرة منذ اكتشاف المقبرة عام 1922.
ويظل توت عنخ آمون واحدًا من أشهر ملوك مصر القديمة، رغم قصر فترة حكمه، التي امتدت لنحو تسع سنوات،
إذ تولى العرش وهو طفل، وتوفي في سن مبكرة، تاركًا وراءه كنوزًا أثرية كشفت للعالم جانبًا مدهشًا من ثراء الحضارة المصرية وفنونها.
تصميم معماري يليق بعظمة التاريخ
لم يكن المتحف مجرد مبنى لعرض الآثار، بل صُمم ليكون تحفة معمارية معاصرة تستلهم روح المكان وتنسجم مع المشهد الفريد لأهرامات الجيزة.
وقد تولى تصميمه المكتب المعماري Heneghan Peng Architects، في مشروع يجمع بين الخطوط الهندسية الحديثة والاستفادة من الضوء والمساحات الواسعة،
بما يمنح الزائر تجربة متكاملة تبدأ من المبنى نفسه قبل الانتقال إلى قاعات العرض.
ويستقبل البهو العظيم زواره بتمثال الملك رمسيس الثاني الضخم، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، ويقف شاهدًا على عظمة الفن والنحت المصري القديم.
كما يضم المتحف الدرج العظيم، الذي يعرض مجموعة من التماثيل والقطع الأثرية الضخمة،
إلى جانب قاعات العرض الرئيسية ومتحف مراكب الملك خوفو ومرافق تعليمية وثقافية متنوعة.
«الشمس الأبدية».. احتفال بالذكرى الأولى
وبمناسبة مرور عام على افتتاح المتحف، أطلق المتحف تجربة ضوئية غامرة بعنوان «الشمس الأبدية» (Eternal Sun)، تبدأ في الأول من نوفمبر 2026 وتستمر حتى 30 أبريل 2027.
وتُقام التجربة في البهو العظيم، وتستغرق نحو 35 دقيقة، حيث تجمع بين تقنيات الإسقاط الضوئي والموسيقى والسرد القصصي باللغتين العربية والإنجليزية،
لتقدم رحلة فنية تستلهم خمسة آلاف عام من الحضارة المصرية.
وتعتمد التجربة على توظيف العمارة الداخلية للبهو العظيم باعتبارها جزءًا من الحكاية، وتتناول رؤية المصري القديم للكون والحياة والموت،
وعلاقته بالطبيعة ودوراتها المتجددة، مثل شروق الشمس وغروبها وفيضان النيل ومواسم الحصاد.
مواعيد الزيارة والحجز
وفقًا للمواعيد المنشورة على الموقع الرسمي للمتحف، تفتح قاعات العرض أبوابها يوميًا من التاسعة صباحًا حتى السادسة مساءً،
وتمتد ساعات الزيارة حتى التاسعة مساءً يومي الأربعاء والسبت.
أما مجمع المتحف، بما يضمه من ساحات ومرافق وخدمات، فيعمل من الثامنة والنصف صباحًا حتى السابعة مساءً في الأيام العادية،
وحتى العاشرة مساءً يومي الأربعاء والسبت.
ويُنصح الزوار بمراجعة المواعيد والتذاكر قبل التوجه إلى المتحف، وإجراء الحجز من خلال المنصة الرسمية لتذاكر المتحف المصري الكبير.
عام مضى.. والرحلة مستمرة
إن مرور عام على افتتاح المتحف المصري الكبير ليس مجرد مناسبة للاحتفال بمبنى أثري ضخم،
بل هو فرصة للتأكيد على أن الحضارة المصرية ليست مجرد صفحات في كتب التاريخ،
وإنما إرث إنساني حي يستحق أن يُصان ويُعرض ويُقدم للأجيال الجديدة وللعالم كله.
فهذا المتحف يحمل رسالة مصر إلى العالم: أن أمة صنعت الأهرامات، وأبدعت في النحت والعمارة والطب والفلك، ما زالت قادرة على حماية تراثها وتقديمه برؤية عصرية تليق بمكانتها.
تحية لكل من ساهم في إنجاز هذا المشروع الحضاري، ولكل أثري وباحث ومرمم وعامل شارك في حماية كنوز مصر وإظهارها بالصورة التي تستحقها.
فالمتحف المصري الكبير ليس مجرد مكان تُعرض فيه الآثار، بل حكاية وطن، وذاكرة حضارة، ورسالة ممتدة من أجداد صنعوا التاريخ إلى أجيال تصنع المستقبل.

