صندوق الذكريات - النايل نيوز
الرئيسية » صندوق الذكريات
مقالات

صندوق الذكريات

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

 

بقلم الحكوتي/ محمد القماري

 

كان يساورني قلق طفيف من أن تغضب أمي لأنني فتحت  صندوقها  وعبثت  بما فيه، لكنه بدا جلياً أنه صندوق ذكريات؛

فكل ما يحويه كان غريباً عني ولا أعرف عنه شيئاً. وبالتأكيد، لن تغضب من أجل القليل من الأغراض القديمة.

 

جامعة القاهرة (1979)

 

لقد وطئت قدماي ذلك العالم المثير الذي يدعى “الجامعة”، متحمسة لنيل تلك الشهادة في الآداب – قسم التاريخ، التي طالما حلمت بها.

أنا مريم صابر عبد المنعم؛ توفي والدي منذ عامين وترك في نفسي أثراً عميقاً من الحزن، لكنني في الحقيقة كنت أحقق حلمي وحلمه معاً.

كان جل حلمه أن أكون متعلمة، تنفيذاً لحلم جدتي التي حالت ظروف زواجها دون إتمامه، فكانت تحث أبي دائماً على طلب العلم،

وتؤكد له كيف أن ذوي الشهادات العليا يحصدون أعلى المناصب والعيش الرغد.

لم أكن متدينة في ذلك الوقت بالقدر الكافي، لكنني نذرت لنفسي أنه بعد التخرج، بإذن الله، سأتوجه لدراسة الفقه والشريعة وأستنزف غالب وقتي فيهما.

و كانت أمي تندب حظها على فتاة أتمت الثامنة عشرة من عمرها دون زواج، وكانت في غالب الأوقات تدعوني بـ “البائرة”، غير أنني لم أُعِر لحديثها أي اهتمام؛

فغداً سوف تشير إليّ بفخر واعتزاز حتى وإن لم يطرق بابي الزواج، إذ يكفيني أنني فخورة بنفسي كما أنا، ولا أرى مبرراً للتلهف المحموم على الزواج.

لقد اجتهدت بين زملائي في الصف لأكون الأعلى في الامتيازات المكتبية، حتى اخترت أمينة للركن الثقافي في جامعة القاهرة.

و كان عقلي يعمل بلا توقف، وحولي زميلات وزملاء يدفعونني قدماً إلى الأمام.

صحيح أنني كنت ألمس الغيرة والحقد أحياناً في عيون البعض، لكن الغاية الأسمى التي جمعتنا جميعاً هي أن نكون قدوة ومثالاً مشرفاً يحتذى به.

قادراً على قلب يومك رأساً على عقب

في فترة الاستراحة بكافيتريا الجامعة، كان فنجان الشاي المظبوط قادراً على قلب يومك رأساً على عقب، ليحوله من الإنهاك إلى النشاط والحيوية.

إنه ذلك المشروب السحري الذي يمنحنا السعادة ويُعد إكسير الحياة.  وحين وجدته، وجدت ابتسامتي تسلك طريقها إلى قلبي مباشرة بدلاً من شفتي.

كانت والدته تعرف والدتي معرفة سابقة، وكلما تقابلتا في النادي مراراً، كانتا تكتفيان بتبادل السلام. 

ثم طالعنا بوجهه الجديد مدرباً للكرة الطائرة في النادي نفسه. 

لا أدرِي ما الذي دفع خطواتي نحوه، حتى اكتشفت أنني ومنذ اللحظة الأولى التي رأيته فيها، عجزت عن تحويل نظري عنه،

وظلت ابتسامتي متسعة بلا سبب، ثابتة على وجهي حتى تقابلنا وجهاً لوجه، بينما استمرت عيناي شاخصتين إليه بلا هدنة.

حاولت عبثاً أن أستعيد رشدي

 

تلجمت الكلمات في فمي، وتعلثمت حين وقف أمامي مباشرة بابتسامة واسعة، ربما أراد بها ألا يحرجني فظل صامتاً يبتسم،

بينما حاولت عبثاً أن أستعيد رشدي الذي يبدو أنه لم يصل بعد؛ بل أعتقد أنني فقدته للأبد ولم أجد له أثراً.

تبادلنا حديثاً قصيراً حول ما إذا كنا قد التقينا من قبل، وعن دراستي ودراسته. ومنذ ذلك الحين، توالت لقاءاتنا في كافيتريا الجامعة،

حتى إنه صار يقطع الطريق من كلية الهندسة إلى كلية الآداب خصيصاً ليراي، ونتحاور قليلاً في الأدب والرياضة والفنون.

كان مشجعاً متفانياً للنادي الأهلي، في حين كان والدي -رحمه الله- يشجع الزمالك، فكنت أتساءل بيني وبين نفسي: أتراني خنت والدي بهذا الميل؟

لم أكن أدرك كيف تسلل ذلك الانجذاب نحو “يوسف” بهذه السرعة البرقية، ولا تلك العواطف الجياشة التي كانت تكتنفني كلما رأيته.

أهذا هو ما تغنت به نجاة وشادية في أغانيهما؟ أهذا ما عناه عبد الحليم حافظ حين وصف مشاعر العشق؟ حقاً، إن كل كلمات الوصف تقصر عن مجاراة ما كنت أعانيه!

ازدادت لقاءاتنا وتواترت في تلك الفترة، وفي كل لقاء كانت تسكنني سعادة لا توصف، حتى إنه صار ضيفاً دائماً في كافيتريا الآداب، يحمل معه أوراقه وملازمه.

و من أبجديات الأدب ألا تمتد يدك لتأخذ ما ليس لك من على الطاولة أو تتفحصه، حتى وإن كان يخص أقرب الناس إليك.

لكن ، نظراتي وقعت صدفة على شيء لفت انتباهي وأردت التأكد منه؛ لقد كان مكتوباً على الورق: يوسف عبد الملاك جرجس.

حتى صخرة الحياة الصلبة يمكن أن تتداعى وتتحطم؛ ولقد كنت أنا تلك الصخرة التي تهشمت تماماً.

ورغم ذلك الصدمة، لم أستطع الابتعاد عنه

 

لا سيما أنه كان يظنني مسيحية لمجرد اسمي الأول. لا أعلم أكنّا قد عمينا عن الحقيقة معاً، أم أن كلينا كان شارداً فيما هو أبعد من الواقع.

لقد كان حريصاً أشد الحرص عليّ وعلى سمعتي، ولم تتعدَ لقاءاتنا أبداً حدود أسوار الجامعة.

كان عذب الحديث، جم الأخلاق، رقيقاً كالفتاة، رياضياً، شامخاً كالنخلة في علوها.

لم تكن كلمات العشق الموزونة ولا أحلامنا الشخصية بذلك العمق الذي يغرس ألمه في سويداء القلب.

وكانت مكالماتنا الهاتفية المختصرة كزميلين لا تتخطى حدود الإعجاب المتبادل.

ومع ذلك، لم أتوقف عن لقائه ولا عن إعجابي به، ولم تكن لقاءاتنا في سرية، بل كانت على مرأى ومسمع من الجميع؛

حتى إن أحد الزملاء تجرأ يوماً وألمح بسخرية إلى أنه يجلس معنا في كافيتريا الآداب لأجلي أنا.

وما كان من يوسف إلا أن هوى على وجهه بصفعة أهانته أمام الملأ. بالطبع،

وصل الأمر إلى عميد الكلية الذي اضطر للتدخل بالنظر إلى وجود شخص في مكان لا يفترض وجوده فيه،

ولكن تم الصلح واحتويت الأزمة نظراً لأن ذلك الزميل كان يتحدث منوهاً عني، وأخذت الإدارة الأمر بعين الاعتبار.
لقد أدركنا منذ اللحظة الأولى أن ذلك العشق قد حُكم عليه بالإعدام مسبقاً بلا رأفة أو شفقة؛ فلكل منا عائلته ومجتمعه، ومع ذلك كان هناك خفي يجذبنا بلا هوادة.

و كان كل منا يعلم أنه يعشق الآخر حتى جنون العشق، غير أن أحلامنا ، و آمالنا كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بوطننا.
أما عن علاقتنا، فكانت تبدو أبعد ما تكون عن واقع ذلك الوطن، وعن ذلك الحضن الذي طالما سعينا لإعلاء رايته.

غير أن شعارات الوطنية ومقالات الإنشاء الرنانة تتهاوى وتتحطم أمام صخرة الحب العارم.

وقتها، كان قرارنا الأخير هو “الهرب”؛ فهناك الكثير من أبناء الوطن الذين يمكنهم فعل ما أردنا نحن تحقيقه.

لم نكن خائنين لوطننا، لكن للعشق أحكاماً و شروطاً قاسية.
يقولون إن المر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *