ماذا يجري في إثيوبيا الآن؟ تصعيد عسكري جديد يعيد شبح الحرب الأهلية
متابعة: الدكتور أحمد علي عطية الله
تشهد إثيوبيا منذ أيام تصعيدًا عسكريًا خطيرًا في شمال البلاد، يعيد إلى الواجهة مخاوف اندلاع حرب أهلية جديدة، بعد نحو أربع سنوات من اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب الكبرى في إقليم تيغراي.
وتتركز المواجهات الحالية بصورة أساسية في تيغراي وأجزاء من إقليمي أمهرة وعفر، وسط تشكيل تحالف مسلح جديد يضم سبع جماعات إثيوبية أعلنت هدفها المتمثل في مواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد والسعي إلى تغيير السلطة في أديس أبابا.
ماذا حدث في تيغراي؟
بدأ التصعيد الأحدث في 23 سبتمبر 2026، عندما اندلعت مواجهات واسعة بين القوات الفيدرالية الإثيوبية والقوات المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي.
وفي تطور ميداني بارز، سيطرت قوات تيغراي على مطارات مكلي وأكسوم وشِيري، وهي منشآت كانت تحت سيطرة قوات أو أجهزة تابعة للحكومة الفيدرالية، ما دفع الخطوط الجوية الإثيوبية إلى تعليق الرحلات إلى المطارات الثلاثة.
ويمثل هذا التطور تصعيدًا مهمًا، لأن السيطرة على المطارات تمنح القوات الموجودة في تيغراي قدرة أكبر على الحركة وتحد من قدرة الحكومة الفيدرالية على استخدام هذه المنشآت في نقل القوات والإمدادات.
تحالف من سبع جماعات ضد حكومة آبي أحمد
وقبل اندلاع المواجهات الحالية بأيام، أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية تشكيل تحالف جديد حمل اسم «تحالف القوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء».
ويضم التحالف جماعات كانت في بعض الفترات على طرفي نقيض، ومن أبرز مكوناته جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، وحركة فانو في أمهرة، وجيش تحرير أورومو (OLA)، إلى جانب جماعات من مناطق أخرى.
وتقول الجماعات المشاركة إن هدفها مواجهة ما تعتبره تركيزًا للسلطة في الحكومة المركزية، بينما أعلنت صراحةً رغبتها في الإطاحة بحكومة آبي أحمد.
لكن هذا التحالف لا يمثل كتلة متجانسة بالضرورة؛ فالفصائل المشاركة لديها تاريخ وأهداف ومطالب إقليمية مختلفة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على العمل العسكري والسياسي المشترك على المدى الطويل.
المعارك لا تقتصر على تيغراي
المواجهات امتدت إلى المناطق المحيطة بتيغراي، ولا سيما إقليمي أمهرة وعفر.
وفي أمهرة، وقعت اشتباكات في محاور قريبة من ألاماتا وولـديا، بينما شهدت مناطق على الحدود مع عفر مواجهات أخرى بين القوات الفيدرالية والقوات المناوئة للحكومة.
وتشير بيانات مركز ACLED إلى أن القوات التابعة لتيغراي تمكنت من السيطرة على المطارات الثلاثة، بينما اندلعت مواجهات في اتجاهات متعددة على الحدود بين تيغراي وأمهرة وعفر.
وهذا الانتشار الجغرافي للمواجهات هو أحد أسباب القلق من تحول التصعيد المحدود إلى صراع أوسع.
الضربات الجوية والاتهامات المتبادلة
رافق التصعيد البري استخدام متزايد للضربات الجوية والطائرات المسيرة.
وتقول مصادر محلية وتقارير إعلامية إن مناطق في تيغراي تعرضت لضربات جوية، من بينها ألاماتا، مع ورود تقارير عن سقوط مدنيين وإصابة آخرين.
وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية الإثيوبية أنها نفذت عمليات مضادة ضد القوات المتمردة، كما أعلنت عن مقتل مئات من مقاتلي تيغراي وأمهرة، لكن أرقام الخسائر التي أعلنتها الحكومة لم يتم التحقق منها بصورة مستقلة.
لذلك يجب التعامل مع أرقام الضحايا والخسائر العسكرية المتداولة بحذر، خصوصًا في ظل صعوبة الوصول المستقل إلى مناطق القتال.
ماذا حدث لاتفاق بريتوريا؟
الحرب الحالية ترتبط بصورة مباشرة بأزمة تنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام، الذي وقعته الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي في 2 نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الأفريقي.
وقد أنهى الاتفاق الحرب التي دارت بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي بين عامي 2020 و2022، لكنه ترك ملفات شديدة الحساسية دون تسوية نهائية، من بينها قضايا الأراضي وترتيبات الأمن والعلاقة بين السلطات الإقليمية والحكومة المركزية.
ومع تجدد القتال، حذر الاتحاد الأفريقي من أن التصعيد الحالي يمكن أن يقوض المكاسب التي تحققت منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، مؤكدًا أن اتفاق بريتوريا لا يزال يمثل أساسًا للسلام المستدام في إثيوبيا.
وماذا عن إريتريا؟
يظهر البعد الإقليمي بقوة في الأزمة.
وتتهم الحكومة الإثيوبية إريتريا بتقديم دعم للتحالف المسلح الجديد، بينما تنفي إريتريا هذه الاتهامات.
وتزداد حساسية الملف بسبب التاريخ العسكري المعقد بين إثيوبيا وإريتريا، وبسبب العلاقات المتوترة بين أديس أبابا وأسمرة خلال الفترة الأخيرة. كما أن الحدود والممرات المؤدية إلى البحر الأحمر تجعل أي توسع للصراع في شمال إثيوبيا ذا أبعاد تتجاوز الداخل الإثيوبي.
هل تتجه القوات إلى أديس أبابا؟
هنا يجب التفريق بين الهدف السياسي المعلن وبين الواقع العسكري على الأرض.
فالتحالف الجديد أعلن رغبته في الإطاحة بحكومة آبي أحمد، لكن المعارك الموثقة حتى الآن تتركز بصورة أساسية في شمال إثيوبيا، ولا توجد في المصادر التي راجعتها أدلة موثوقة على أن قوات التحالف وصلت إلى مشارف أديس أبابا أو بدأت عملية عسكرية مباشرة للسيطرة على العاصمة.
كما أن التحالف يضم جماعات متباعدة جغرافيًا ولها أجندات مختلفة، وهو ما يجعل الانتقال من تحالف سياسي وعسكري إلى قوة موحدة قادرة على شن حملة باتجاه العاصمة أمرًا غير محسوم.
لماذا العالم قلق؟
القلق الدولي لا يرتبط فقط بالقتال داخل تيغراي، وإنما باحتمال توسع الصراع إلى أقاليم أخرى، بما قد يعيد إنتاج الحرب الإثيوبية السابقة على نطاق أكبر.
كما أن إثيوبيا تقع في منطقة شديدة الحساسية من القرن الأفريقي، وتتقاطع أزمتها مع الصراع في السودان والتوتر مع إريتريا وقضايا البحر الأحمر.
ولهذا دعا الاتحاد الأفريقي إلى أقصى درجات ضبط النفس ووقف التصعيد والعودة إلى الحوار، محذرًا من أن استمرار المواجهات يمكن أن يقوض عملية السلام.
المشهد الآن.. حرب لم تتسع إلى العاصمة بعد
المشهد الإثيوبي حتى 27 سبتمبر 2026 يمكن تلخيصه في ثلاث حقائق رئيسية:
أولًا: هناك تصعيد عسكري حقيقي هو الأكبر منذ انتهاء حرب تيغراي عام 2022.
ثانيًا: تشكل تحالف من سبع جماعات مسلحة بهدف مواجهة حكومة آبي أحمد وإسقاطها، لكن درجة التنسيق العسكري بين مكوناته وقدرته على التحرك كقوة واحدة ما زالت موضع تساؤل.
ثالثًا: القتال الحالي متركز في شمال إثيوبيا، خصوصًا تيغراي والمناطق المتاخمة لها، ولم تثبت المصادر التي تمت مراجعتها حتى الآن وصول المعارك إلى أديس أبابا أو بدء زحف عسكري مباشر نحو العاصمة.
وبالتالي فإن السؤال الأخطر الآن ليس فقط: هل عادت الحرب إلى تيغراي؟
بل: هل يستطيع الفرقاء الإثيوبيون احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى حرب داخلية واسعة تمتد إلى بقية البلاد والقرن الأفريقي؟
والإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على مسار العمليات العسكرية خلال الأيام المقبلة، وعلى قدرة الاتحاد الأفريقي والقوى الإقليمية والدولية على دفع الأطراف نحو العودة إلى مسار اتفاق بريتوريا قبل أن يصبح وقف إطلاق النار السابق مجرد ذكرى.

