الزمالك.. حكاية جزيرة بدأت بالبساتين والقصور، وانتهت واحدة من أشهر مناطق القاهرة
كتبت: داليا حسام
في قلب القاهرة، وبين ضفتي النيل، تقف منطقة الزمالك وكأنها عالم له طابع مختلف.
شوارع هادئة نسبيًا، وأشجار قديمة، وفيلات وقصور تحمل ملامح عصور مضت، إلى جانب سفارات ومؤسسات ثقافية ومبانٍ حديثة.
لكن خلف الصورة المعروفة للزمالك حكاية أقدم بكثير؛ حكاية أرض لم تكن في البداية حيًا سكنيًا، ولا كانت جزيرة بالشكل الذي نعرفه اليوم،
وإنما مساحة ارتبطت بالنيل وبساتين الخديوي إسماعيل، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى واحدة من أبرز مناطق القاهرة.

ولكي نفهم الزمالك، علينا أن نرجع بالزمن إلى ما قبل القصور والشوارع، إلى زمن كانت فيه المنطقة تُعرف باسم «الجزيرة» أو «جزيرة بولاق»،
وكانت ملامحها الطبيعية تتغير مع حركة النيل وارتفاع مياهه وانحسارها.
من جزيرة بولاق إلى الزمالك
لم تكن أرض الزمالك جزيرة منفصلة عن البر طوال تاريخها؛ فبحسب ما توضحه الدراسات العمرانية، كانت هناك صلات برية بينها وبين مناطق العجوزة وإمبابة،
كما أن الفرع الغربي للنيل لم يكن يجري دائمًا بالصورة الثابتة التي نعرفها اليوم.
كان يتأثر بالفيضان، وتختلف مساحة المياه والأراضي المكشوفة من وقت إلى آخر،
ولذلك لم تكتسب المنطقة شكل الجزيرة الواضح إلا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، مع تطور مجرى النيل وحفر الفرع الغربي.
أما اسم «الزمالك»، فله أكثر من تفسير. الرواية الأشهر تربطه بكلمة ذات أصل ألباني تعني الأكواخ أو البيوت البسيطة المصنوعة من البوص،
وهي رواية توردها بعض المراجع عن تاريخ القاهرة. لكن دراسات أخرى تشير إلى أن الاسم كان مرتبطًا بقرية قريبة من إمبابة في الجهة المقابلة،
وأن انتقاله إلى الجزيرة يحتاج إلى قراءة تاريخية لا تكتفي بالرواية الشائعة.
لذلك فالأدق ألا نتعامل مع أصل الاسم باعتباره حقيقة محسومة، وإنما باعتباره واحدًا من الألغاز التي صاحبت تاريخ المكان.

وفي فترات أقدم، كانت الجزيرة وما حولها مساحة للحدائق والبساتين ومتنزهًا بعيدًا عن صخب المدينة، ولم تكن قد تحولت بعد إلى منطقة سكنية متكاملة.
ثم جاء عهد الخديوي إسماعيل ليمنحها دورًا جديدًا ويضعها على خريطة القاهرة الحديثة.
الخديوي إسماعيل.. بداية التحول الكبير
كان الخديوي إسماعيل صاحب مشروع واسع لتغيير وجه القاهرة، وإظهارها بصورة عصرية تليق بمكانتها، ولم تكن الجزيرة بعيدة عن هذا المشروع.
اهتم بتنسيق حدائقها وزراعة النباتات والأشجار، واستعان بخبرات متخصصة في تصميم المساحات الخضراء،
ومن بينها المهندس الفرنسي جوستاف ديلشوفاليري، الذي ارتبط اسمه بأعمال تنسيق الحدائق في الجزيرة.
ومن أهم ما ارتبط بهذه المرحلة قصر الجزيرة، الذي بدأ إنشاؤه في عهد إسماعيل، واكتمل ليكون مقرًا لاستقبال كبار الضيوف والزائرين.
وقد ارتبط القصر باحتفالات افتتاح قناة السويس عام 1869، واستقبل عددًا من الشخصيات الملكية والأجنبية التي جاءت إلى مصر لحضور المناسبة،
ومن أشهرهم الإمبراطورة أوجيني، زوجة نابليون الثالث، والإمبراطور فرانز جوزيف الأول إمبراطور النمسا.

لم يكن القصر مجرد مبنى فاخر، بل كان جزءًا من صورة أراد إسماعيل أن يقدمها للعالم عن مصر؛ قصر تحيط به الحدائق، ويطل على النيل،
ويستقبل ضيوفًا من مختلف أنحاء أوروبا. ومع مرور السنوات تغيرت وظيفة المكان، وبعد أن خرج من ملكية الخديوي، تحول إلى فندق عُرف باسم «فندق الجزيرة»،
ثم حمل اسم «عمر الخيام»، قبل أن يصبح جزءًا من فندق ماريوت القاهرة المعروف اليوم.
وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط التحول في تاريخ الزمالك: المكان الذي بدأ كقصر وحدائق خاصة،
أصبح لاحقًا مركزًا لجذب الزوار والاستثمار، ومقدمة لظهور منطقة سكنية جديدة حوله.
الجسور التي فتحت الجزيرة على القاهرة
لا يمكن فهم تطور الزمالك من دون الحديث عن الجسور؛ فالجزيرة مهما كانت جميلة، ظلت بحاجة إلى طرق تربطها بالمدينة وبالضفة الأخرى من النيل.
في عهد الخديوي إسماعيل بدأ إنشاء كوبري قصر النيل، الذي ربط وسط القاهرة بالجزيرة من الناحية الشرقية، وافتُتح عام 1872.
وكان في بدايته يُعرف باسم كوبري الخديوي إسماعيل، قبل أن يرتبط اسمه بقصر النيل. أما الأسود الأربعة الشهيرة التي تزين مداخله،
فقد أصبحت مع الوقت واحدة من العلامات البصرية المرتبطة بالقاهرة، ولا يمكن تخيل الكوبري من دونها.

ومن الناحية الغربية، كان هناك كوبري البحر الأعمى، الذي ربط الجزيرة بمنطقة الجيزة، ثم حل محله كوبري الجلاء في أوائل القرن العشرين.
ومع ظهور هذه المعابر لم تعد الجزيرة معزولة عن محيطها، وأصبح الانتقال منها وإليها أكثر سهولة، وهو ما مهد لمرحلة جديدة من العمران.
وفي عام 1912، ساعد إنشاء كوبري بولاق وامتداد خط الترام على تسهيل الوصول إلى الجزيرة من جهة بولاق، وربطها بحركة المدينة،
بل امتد خط الترام في اتجاه الأهرامات. ولم يكن هذا مجرد تطور في وسائل المواصلات، لكنه كان عاملًا مؤثرًا في تشجيع الناس على السكن في المنطقة،
وفي انتقالها من مساحة يغلب عليها الطابع الزراعي والحدائق إلى ضاحية سكنية آخذة في النمو.
كيف تحولت الجزيرة إلى حي سكني؟
بعد خروج قصر الجزيرة من ملكية الخديوي، بدأت الأراضي المحيطة به تدخل مرحلة جديدة. ففي عام 1889 انتقلت ملكية القصر وملحقاته إلى مستثمرين أجانب،
ثم تأسست شركة جزيرة للتمليك عام 1892، وتحول القصر إلى فندق.
ومع الوقت دخلت شركات أخرى مجال شراء الأراضي وتقسيمها وبيعها، وبدأت ملامح الضاحية السكنية تتكون.
لكن التحول لم يحدث دفعة واحدة. فالدراسات العمرانية تشير إلى أن تقسيم الأراضي وظهور قطع البناء بدأ بصورة أوضح في أوائل القرن العشرين،
وأن عام 1903 تقريبًا يمثل مرحلة مهمة في بداية هذا التطور. ثم جاءت الجسور والترام لتسرّع حركة الانتقال والسكن.

وكانت الجزيرة في ذلك الوقت تضم مساحات مختلفة في طبيعتها واستخدامها؛ جزءًا ارتبط بالقصر والفندق وحدائقه، وجزءًا خُصص للأنشطة الرياضية، وأراضي زراعية في الشمال،
فضلًا عن أراضٍ ارتبطت بوجود جماعات تبشيرية ومؤسسات أجنبية.
ومن بين هذه الحكايات وجود الآباء الكومبونيين، الذين وصلوا إلى الجزيرة بعد انتقالهم من السودان في أواخر القرن التاسع عشر، وأقاموا بها نشاطًا زراعيًا ودينيًا،
قبل أن تنتقل أجزاء من أراضيهم لاحقًا إلى شركات ومطورين عقاريين.
وهكذا لم تتكون الزمالك من مشروع واحد أو قرار واحد، وإنما تشكلت على مراحل، بفعل ملكية الأراضي والاستثمار والمواصلات وتغير احتياجات القاهرة.
الرياضة والحدائق.. ملامح جديدة لشخصية الزمالك
ومن العلامات التي ساهمت في تشكيل شخصية الجزيرة نادي الجزيرة الرياضي، الذي ارتبط ظهوره في أواخر القرن التاسع عشر بوجود البريطانيين في مصر.
فقد كان النادي في بدايته مساحة للرياضة والترفيه ارتبطت بالوجود البريطاني،
ثم تطور مع الزمن وأصبح واحدًا من المؤسسات الرياضية والاجتماعية المعروفة في القاهرة.
ولم يكن الانفتاح على العضوية المصرية قد تحقق منذ البداية؛ فقد ظلت العضوية محدودة لفترة طويلة، قبل أن تتغير هذه الصورة في منتصف القرن العشرين.
وبالقرب من هذه المساحات الخضراء ظهرت حديقة الأسماك، المعروفة أيضًا باسم حديقة الجبلاية، وهي من أكثر الأماكن تميزًا في الزمالك.
وترتبط بدايتها بعهد الخديوي إسماعيل، الذي أنشأ الحديقة عام 1867 ضمن حدائق الجزيرة.
ثم جاء الكابتن ستانلي فلاور في أوائل القرن العشرين، وأعاد تنسيقها وأضاف أحواضًا للأسماك داخل الكهوف الصناعية، لتُفتح للجمهور في 21 نوفمبر 1902.

ولعل ما يميز الحديقة أنها ليست مجرد مساحة خضراء تقليدية؛
فتصميمها يعتمد على تكوينات صخرية وكهوف وممرات، جعلتها مختلفة عن الحدائق المعتادة.
ومع مرور الوقت أصبحت مكانًا للنزهات واللقاءات العائلية، وارتبطت في ذاكرة أجيال من المصريين بالهدوء والفسحة والصور القديمة.
أما حديقة الأندلس، فهي واحدة من العلامات التي أضافت إلى الزمالك طابعًا جماليًا خاصًا،
بما تحمله من تصميمات وحدائق ونوافير وتفاصيل مستوحاة من الفن الأندلسي، لتصبح جزءًا من المشهد الذي يميز هذه المنطقة.
قصور الزمالك.. حين تتحول العمارة إلى ذاكرة
لم تتوقف حكاية القصور عند قصر الجزيرة.
فالزمالك احتفظت بعدد من المباني التي تكشف عن تنوع الأذواق المعمارية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين،
وعن مكانة الجزيرة لدى بعض أفراد الأسرة المالكة والطبقات الثرية.
ومن أبرز هذه المباني قصر الأمير عمرو إبراهيم، الذي يعود بناؤه إلى عام 1923 أو 1924 بحسب اختلاف طريقة تسجيل التاريخ بين المصادر، ويقع في منطقة الجزيرة.
القصر تحفة معمارية تجمع عناصر من الطراز المملوكي والتركي والأندلسي، إلى جانب تأثيرات أوروبية،
وهو ما يجعله مثالًا على المزج بين التراث الإسلامي والذوق المعماري السائد في ذلك الوقت.
وبعد ثورة يوليو 1952 تغيرت وظيفة القصر، وأصبح اليوم مقرًا لمتحف الخزف الإسلامي، الذي يضم مجموعة من القطع الخزفية التي تنتمي إلى عصور ومناطق مختلفة من العالم الإسلامي.
وهكذا انتقل المبنى من كونه مقرًا أميريًا إلى مساحة تحفظ جانبًا من تاريخ الفن والحرف الإسلامية.
وهذه واحدة من الحكايات التي تكشف كيف تغيرت وظيفة مباني الزمالك مع تغير الزمن؛ فبعضها ظل سكنًا،
وبعضها تحول إلى فنادق أو مؤسسات ثقافية، وبعضها فقد وظيفته الأصلية، لكنه احتفظ بقيمته المعمارية والتاريخية.

من جزيرة هادئة إلى حي للسفارات والثقافة
مع النصف الأول من القرن العشرين، بدأت الزمالك تكتسب مكانة اجتماعية ودبلوماسية واضحة.
انتقلت إليها بعثات وسفارات أجنبية، وظهرت بها مؤسسات تعليمية ورياضية وثقافية،
وأصبحت الفيلات والحدائق والشوارع الواسعة جزءًا من صورتها.
ولم تكن منطقة سكنية مغلقة على وظيفة واحدة؛ فقد جمعت بين السكن والرياضة والتعليم والأنشطة الثقافية، ثم أضيفت إليها الفنادق الكبرى مع اتساع حركة المدينة.
ومع مرور الوقت أصبحت الزمالك عنوانًا لطبقة اجتماعية متميزة، ومكانًا ارتبط بالهدوء والمساحات الخضراء والبيوت ذات الطرز المعمارية المختلفة.
لكن هذا الطابع لم يبقَ كما هو إلى الأبد؛ فقد شهدت المنطقة، مثل أحياء كثيرة في القاهرة،
هدم بعض الفيلات القديمة وظهور مبانٍ مرتفعة بدلًا منها، وزيادة الكثافة العمرانية، وتغير استخدام عدد من الأراضي والمباني.
ومن هنا يمكن أن نفهم التناقض الذي نراه اليوم في الزمالك: مبانٍ قديمة تحمل ذاكرة عصر كامل، بجوار عمارات حديثة وفنادق ومؤسسات،
وشوارع لا تزال تحتفظ ببعض ملامح الماضي رغم التغيرات الكبيرة التي مرت بها.
الزمالك.. أكثر من عنوان للأناقة
حين نمشي اليوم في شوارع الزمالك، قد نرى واجهة قصر قديم، أو حديقة مختبئة خلف سور، أو مبنى يحمل طرازًا معماريًا مختلفًا، فنظن أن كل ما في المنطقة يعود إلى زمن واحد.
لكن الحقيقة أن الزمالك طبقات متتابعة من التاريخ؛ بدأت بأرض ارتبطت بالنيل، ثم حدائق وبساتين في عهد الخديوي إسماعيل،
ثم قصر استقبل ملوكًا وأباطرة، ثم فندق وشركات استثمار وجسور وترام، وبعدها حي سكني احتضن السفارات والنوادي والحدائق والمؤسسات الثقافية.
ولعل أجمل ما في حكاية الزمالك أنها تذكرنا بأن شكل المكان لا يصنعه المال أو المباني وحدها،
بل تصنعه التحولات التي مر بها، والناس الذين عاشوا فيه، والوظائف التي تغيرت مع الزمن.
فالجزيرة التي كانت يومًا مساحة للحدائق والقصور أصبحت جزءًا لا يتجزأ من قلب القاهرة، لكنها ما زالت تحمل في شوارعها آثار بداياتها الأولى.
الزمالك ليست مجرد حي له سمعة اجتماعية أو عنوان معروف؛ إنها حكاية جزيرة تغيّر شكلها، وتبدلت أسماؤها ووظائفها، وبقي النيل شاهدًا على كل ما مر بها.


