هل ما زال فينا إنسان؟ - النايل نيوز
الرئيسية » هل ما زال فينا إنسان؟
مقالات

هل ما زال فينا إنسان؟

كتب المقال بواسطة أ/
*/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

هل ما زال فينا إنسان؟

بقلم عبد المجيد عبوبي

في زحمة الحياة، بين غلاء الأسعار والبحث عن العمل والخوف من الغد، ننسى أحيانًا أن نسأل أنفسنا:
هل ما زال فينا إنسان؟

ليس السؤال عمّا نقوله عن أنفسنا، بل عمّا نفعله حين يحتاج إلينا أحد، أو حين نرى ظلمًا ونستطيع أن نتخذ موقفًا.

الضوء الذي لم ينطفئ

في داخل كل واحد منّا رحمة لم تمت. نتألم لطفل جائع، ونحزن لشيخ وحيد، ونغضب حين نرى إنسانًا يُهان.

لكننا كثيرًا ما نخفي هذه المشاعر، ونواصل طريقنا. نقول: «ليس بيدنا شيء»، أو «لدينا ما يكفينا من الهموم».

ومع الوقت، يصبح الصمت عادة، وتبدو اللامبالاة كأنها الطريقة الوحيدة لنحمي أنفسنا.

أن تكون نزيهًا ليس سهلًا دائمًا، وأن تقول الحق قد يكلّفك، وأن تساعد غيرك قد يعرّضك للاستغلال.

لكن هل يعني ذلك أن نترك القسوة تقرّر كيف نعيش؟
الخير لا يموت فجأة؛ يضعف كلما تراجعنا عنه، وكلما وجدنا لأنفسنا عذرًا لنقبل ما كنا نرفضه.

حين تضيق الحياة

من يبحث عن عمل، ومن يحمل شهادة بلا فرصة، ومن يخاف كل شهر ألّا يكفيه دخله، لا يحتاج إلى نصائح عن الصبر وحدها.

يحتاج إلى فرصة عادلة، وأجر يحفظ كرامته، وإحساس بأن تعبه ليس بلا معنى.

ليس من العدل أن نطلب من الناس أن يتحمّلوا إلى ما لا نهاية، ثم نلومهم لأنهم تعبوا.

لكن الخطر يبدأ حين يتحوّل التعب إلى تبرير لكل شيء؛ حين تصبح السرقة «شطارة»، والفساد «تدبيرًا للأمور»، والسكوت عن الظلم «راحة للبال».

عندها لا تعود المشكلة في الخطأ وحده، بل في أننا لم نعد نراه خطأ.

الدين في المعاملة

لا يكفي أن نحافظ على الشعائر ثم نؤذي الناس في حقوقهم وكرامتهم. ما قيمة الكلام عن الرحمة إن كنا نقسو على من هم أضعف منّا؟

يظهر أثر الدين في أمانتنا حين لا يراقبنا أحد، وفي عدلنا حين نملك القرار، وفي معاملتنا لمن لا ننتظر منه مصلحة.

ليس الدين زينة نُظهرها للناس، ولا وسيلة لإسكات المظلوم. إنه ما يوقظ ضميرنا حين نكاد نعتاد الظلم، ويذكّرنا بأن للآخر حقًا لا يسقط بسبب فقره أو ضعفه.

لسنا ضحايا فقط

نعم، الظروف قاسية، والفرص قليلة، والقلق يرهق النفوس. لكن يبقى لنا، حتى في حدود قدرتنا، أن نختار كيف نعامل بعضنا.

لا نستطيع إصلاح كل شيء، لكننا نستطيع ألّا نزيد وجع أحد. نستطيع ألّا نستغلّ حاجته، وألّا نهينه، وألّا نشارك في ظلم نقدر على رفضه.

وهنا يفتح لنا عنوان كتاب فتحي المسكيني «الهجرة إلى الإنسانية» بابًا للتأمل:

ربما نحتاج إلى هجرة من القسوة التي اعتدناها، ومن الانشغال بأنفسنا وحدها، إلى الاهتمام بمن حولنا.

أن نرى المحتاج إنسانًا قبل أن نسأله من أين جاء، أو ماذا يعتقد، أو إلى من ينتمي. لا أن نتخلّى عن هويتنا، بل ألّا نجعلها سببًا لحرمان غيرنا من الرحمة.

لسنا مطالبين بأن نكون أبطالًا. يكفي أن نحفظ حقًا، ونرفض إهانة، ونمدّ يدًا حين نستطيع. فهذه الأفعال الصغيرة ليست قليلة في حياة من يحتاج إليها.

قبل أن نعتاد القسوة

مسؤوليتنا تجاه بعضنا لا تُعفي المؤسسات من واجبها في توفير العدل والعيش الكريم. كما أن تقصير المؤسسات لا يمنحنا الحق في أن يقسو بعضنا على بعض.

نحتاج إلى عدالة تحمينا، وإلى ضمير يمنعنا من أن نصبح جزءًا مما نشكو منه.

فلنسأل أنفسنا بصدق: هل ما زال فينا إنسان؟

إن كان الجواب نعم، فليظهر في بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي معاملتنا لمن لا يملك قوة ولا نفوذًا.

فلنحافظ على ذلك الضوء الصغير في داخلنا، قبل أن نعتاد العتمة، وننسى أننا كنا نستطيع أن نرى.

 



اضغط خصم النايل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *