علي رصيف الغروب عاد يحمل الزمن الذي ربحه
قصة قصيرة بقلم: عبد المجيد عبوبي
في الممرات العتيقة للجامعة، نما بين مصطفى وليلى حبٌّ نقيّ، كبرياؤه أرفع من أن يكسره واقعٌ ضيق.
ولأن مصطفى كان يرى في ليلى عمره كله، قرر أن يختصر سنوات الشقاء؛ أقنعها بدموع حارة أن يهاجر “ليربح الزمن”، ورحل تاركاً خلفه وعداً مكتوباً بالوفاء.
في الغربة، قذفت الأقدار بمصطفى ليعمل على متن سفينة صيد في عرض المحيط. وكلما تباعدت المسافات، كان الشوق يشتعل في دمه كالجمر.
وفي عزلته الزرقاء، كانت ليلى تتراءى له كسمكة فضية عذبة، تطل عليه من نافذة كل موجة وتمنحه الدفء، بينما كانت هي تكافح في قاعات دراستها وعيناها معلقتان بالأفق.
وفي غيابه، طرق بابها عريسٌ ثريّ. تشبثت به الأم بقوة، معتبرة أن “الحب لا يشتري خبزاً”، وضغطت على قلب ابنتها المكلوم.
لكن الأب، الذي عجنته الأيام وكان رجلاً حكيماً، نظر في عيني ليلى وقرأ فيهما روحاً مرتهنة وراء البحار؛
فوقف في وجه العاصفة وقال لزوجته بثبات:
“المال ظلٌ زائل يا امرأة.. لكن الحب الصادق أقوى من المادة، ولن أبيع سعادة ابنتي لبريق زائف”.
وذات مساء غسيل بالغروب، رسا المركب المتعب على الشاطئ، ومعه عاد مصطفى يحمل في حقيبته الزمن الذي ربحه، وفي قلبه الشوق الذي لم يخمُد.
على الرصيف المبلل برذاذ الموج، كانت ليلى تنتظر، يرافقها أبوها بحكمته الوقورة التي حمت هذا الحب من عواصف المادة.
وحين التقت الأعين، انمحت سنوات الغربة في لحظة واحدة؛ أقبل مصطفى نحوها كمن يجد بر الأمان بعد عاصفة هوجاء،
وظلت ليلى تشهق بالفرح كسمكة عادت أخيراً إلى يلدها الدافئ، لتثبت الأيام أن نبض القلوب الصادقة كان، وسيظل دائماً، أقوى من بريق المال.


