6 أكتوبر 1973… 6 أكتوبر 2026
ذكرى ملحمة أسطورية خرافية
بقلم: أبولبابة العيدودي – تونس
في السادس من أكتوبر من كل عام، لا تعود الذاكرة إلى الوراء فقط، بل تستيقظ حكاية كبرى من حكايات التاريخ العربي، حكاية يومٍ خرج فيه المستحيل من مخبئه، وارتفع صوت المعركة فوق صمت الهزيمة، وكتب الجنود بدمائهم صفحة استثنائية في تاريخ المنطقة.
6 أكتوبر 1973… 6 أكتوبر 2026.
ثلاثة وخمسون عامًا تفصل بين التاريخين، لكن المسافة بينهما لا تقاس بالسنوات، بل بما بقي من تلك اللحظة في الذاكرة والوجدان.
كان السادس من أكتوبر موعدًا مع حرب أكتوبر، حين شنت مصر وسوريا هجومًا متزامنًا على القوات الإسرائيلية في سيناء والجولان، في محاولة لاستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو 1967. وفي السادس من أكتوبر، الذي وافق العاشر من رمضان عام 1393 هـ، بدأت واحدة من أكثر الحروب تأثيرًا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
على ضفاف قناة السويس، كان المشهد أشبه بخروج الأسطورة من رحم الصحراء.
جنود يعبرون القناة، وسواتر ترابية تتهاوى، وطائرات تحلق في السماء، ومدافع تهز صمت الصحراء، وأعلام ترتفع في لحظة امتزج فيها الخوف بالشجاعة، والأمل بالإصرار.
لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية؛ كانت، في الوعي العربي، لحظة لاستعادة الثقة بالنفس بعد صدمة 1967.
كان العبور أكثر من عبور قناة مائية.
كان عبورًا نفسيًا من الإحساس بالعجز إلى الإحساس بالقدرة على الفعل.
ومن هنا اكتسب السادس من أكتوبر رمزيته الكبرى.
لقد أثبتت تلك الحرب أن التاريخ لا يسير دائمًا وفق الحسابات الجامدة، وأن المفاجأة والتخطيط والإرادة يمكن أن تغير موازين لحظة تاريخية كاملة.
لكن الحروب، مهما ارتدت من أزياء البطولة، تظل أيضًا ذاكرة للدم والألم والفقد. خلف كل انتصار عسكري أسماء جنود لم يعودوا إلى بيوتهم، وأمهات انتظرن أبناءهن، وعائلات حملت صور الغائبين، ومدن عاشت تحت القصف والخوف.
ولهذا فإن استحضار أكتوبر لا ينبغي أن يكون استحضارًا للمعركة وحدها، وإنما استحضارًا للإنسان الذي دفع ثمنها.
اليوم، في 6 أكتوبر 2026، وبعد ثلاثة وخمسين عامًا، تبدو المسافة الزمنية كبيرة، لكن الأسئلة التي ولّدتها تلك الحرب ما تزال حاضرة: كيف يتحول التاريخ إلى درس؟ وكيف تتحول الذاكرة إلى قوة بناء بدل أن تبقى مجرد حنين إلى الماضي؟
إن أعظم ما يمكن أن تورثه الأجيال من أكتوبر ليس صوت المدافع، وإنما معنى الإرادة، وقيمة التخطيط، وقدرة الإنسان على مواجهة المستحيل.
من تونس، التي ظلت فلسطين وقضايا العرب حاضرة في وجدانها، أستحضر هذه الذكرى لا باعتبارها صفحة من كتاب التاريخ فقط، وإنما باعتبارها ذاكرة عربية مشتركة.
تونس بعيدة جغرافيًا عن سيناء، لكنها قريبة من وجدانها.
فالدم العربي الذي سال في ساحات القتال، والأحلام التي حملها الجنود، والآمال التي علقتها الشعوب، صنعت من أكتوبر ذاكرة تتجاوز الحدود.
6 أكتوبر 1973 لم يكن مجرد تاريخ.
كان لحظة قال فيها الإنسان العربي للتاريخ:
يمكن للانكسار أن يكون بداية للنهوض، ويمكن للهزيمة أن تتحول إلى درس، ويمكن للصحراء التي شهدت المعارك أن تحفظ في رمالها أسماء الذين عبروا.
وبعد نصف قرن وأكثر، تبقى قناة السويس شاهدة، وسيناء شاهدة، والذاكرة العربية شاهدة.
أما الذين عبروا، فقد تركوا وراءهم حكاية لا تنتهي.
حكاية تقول إن الأمم لا تعيش فقط بما تملكه من قوة، وإنما بما تملكه من إرادة وذاكرة وقدرة على تحويل الألم إلى مستقبل.
رحم الله من سقطوا في تلك الحرب، وحفظ ذاكرة الأحياء، وجعل من دروس أكتوبر طريقًا نحو مستقبل عربي أكثر أمنًا وكرامة وسلامًا.
6 أكتوبر 1973…
6 أكتوبر 2026…
ثلاثة وخمسون عامًا، وما زال العبور يعبر بنا من زمن إلى زمن، ومن ذاكرة إلى ذاكرة، ومن جيل إلى جيل.
تاريخ لا يشيخ… وذاكرة لا تموت.
أبولبابة العيدودي – تونس

