قابلت الغضنفر.. حكاية مقاتل حمل قائده الجريح تحت نيران العدو
بقلم: الكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله
سعدت وتشرفت بلقاء أحد أبطال المجموعة 39 قتال، مجموعة أمير شهداء حرب أكتوبر العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعي،
ذلك المقاتل الشجاع الجسور مصطفى إبراهيم، ابن بلدة فاقوس بمحافظة الشرقية.
كانت بداية معرفتي بهذا البطل عندما قرأت خبرًا مقتضبًا لا يتجاوز عدة سطور في جريدة الأخبار،
يفيد بأن أحد مقاتلي سلاح الصاعقة المصرية تمت ترقيته خلال حرب الخامس من يونيو 1967.
وعرفت أن هذا المقاتل يعمل بالهيئة العربية للتصنيع، فسارعت إلى مقابلته،
ومنذ ذلك اللقاء بدأت صداقة طويلة، عرفت خلالها الكثير عن بطولات هذا الرجل ومواقفه التي تكشف معدن المقاتل المصري في أصعب الظروف.
خلال انسحابه من سيناء عام 1967، لم يفكر مصطفى إبراهيم في نفسه فقط، وإنما حافظ على مجموعته وسيارتهم العسكرية وأسلحتهم،
وفي طريق العودة جمع عددًا من الشاردين، وأصلح ما استطاع من المعدات، كما تولى علاج المصابين، حتى وصل إلى الضفة الغربية للقناة.
ولم يصل بمفرده، بل وصل ومعه ست سيارات عسكرية بدلًا من سيارة مدفع مضاد للطائرات بطاقمها،
وكان من بين الذين ركبوا معه في رحلة العودة ضابط من مكتب المشير عبد الحكيم عامر.
وبلغت القيادة قصة ما قام به هذا المقاتل خلال تلك الظروف الصعبة، فتم استدعاؤه، وتقرر ترقيته، مع توجيه الشكر والتقدير له على ما أبداه من شجاعة ومسؤولية.
ومع اندلاع حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر، كان مصطفى إبراهيم واحدًا من رجال المجموعة 39 قتال،
وشارك مع قائدها الشهيد إبراهيم الرفاعي في أكثر من 30 عملية ضد العدو، أظهر خلالها شجاعة وإقدامًا وبسالة في مواجهة أصعب المهام.
وفي إحدى عمليات الاستطلاع، أصيب العميد إبراهيم الرفاعي إصابة بالغة أدت إلى استشهاده، وكان مصطفى إبراهيم إلى جوار قائده في تلك اللحظات.
وتحت قصف العدو، حمل المقاتل قائده الجريح على كتفه، وظل يقاتل ويحاول تأمين انسحاب المجموعة، حتى وصلت إلى منطقة تمركزها بضواحي الإسماعيلية.
وبعد انتهاء الحرب، كُرّم البطل تقديرًا لما قدمه من بطولات، وحصل على وسام نجمة سيناء، وهو من أرفع الأوسمة العسكرية التي مُنحت لأبطال المجموعة 39 قتال.
ولم يكن هذا التكريم مجرد وسام على الصدر، وإنما شهادة على رحلة طويلة من التضحية والفداء،
عاش خلالها هذا المقاتل بين رفاقه وقائده في واحدة من أكثر صفحات التاريخ العسكري المصري بطولةً وتضحية.
وقد تشرفت بأن أؤلف عن هذا البطل كتابًا بعنوان «الغنفى»، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2006، توثيقًا لسيرته وبطولاته.
وتبقى صورتي معه في منزله قبل وفاته واحدة من الذكريات التي أعتز بها كثيرًا؛ صورة تجمعني برجل لم يكن مجرد بطل قرأت عنه في صفحات الجرائد،
بل إنسانًا عرفته عن قرب، واستمعت إلى ذكرياته، وشهدت من خلال حديثه جانبًا من تاريخ رجال حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن الوطن.
رحم الله البطل مصطفى إبراهيم، ورحم الله الشهيد العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعي، ورحم الله جميع شهداء مصر الذين كتبوا بدمائهم صفحات المجد في تاريخ هذا الوطن.

