إبطاء سرعة الضوء إلى 17 مترًا في الثانية.. إنجاز العالمة ليني هاو
الرئيسية » هل يمكن إبطاء سرعة الضوء؟.. عالمة دنماركية تنجح في خفض سرعته إلى 17 مترًا في الثانية!
تكنولوجيامنوعات

هل يمكن إبطاء سرعة الضوء؟.. عالمة دنماركية تنجح في خفض سرعته إلى 17 مترًا في الثانية!

كتب المقال بواسطة أ/
*/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

هل يمكن إبطاء سرعة الضوء؟.. عالمة دنماركية تنجح في خفض سرعته إلى 17 مترًا في الثانية!

 

بقلم: د. أحمد علي عطية الله

 

سبحان الله.. ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

 

من يصدق أن الضوء، الذي تبلغ سرعته في الفراغ نحو 300 ألف كيلومتر في الثانية، أمكن للعلماء إبطاء نبضة منه معمليًا إلى نحو 17 مترًا في الثانية فقط،

ثم تخزين المعلومات التي تحملها داخل وسط ذري وإطلاقها مرة أخرى!

 

إنه واحد من الإنجازات العلمية المذهلة التي تكشف لنا جانبًا من قدرة الإنسان على فهم قوانين الطبيعة والتعامل معها بوسائل لم تكن تخطر على بال أحد.

 

دعونا نتعرف على تفاصيل هذه التجربة العلمية المثيرة، وبطلتها العالمة الدنماركية ليني هاو (Lene Vestergaard Hau).

 

ليني هاو.. العالمة التي أبطأت الضوء

 

تُعد ليني هاو واحدة من أبرز علماء الفيزياء الذين تخصصوا في دراسة التفاعل بين الضوء والمادة،

وقد قادت فريقًا بحثيًا استطاع عام 1999 تحقيق إنجاز علمي غير مسبوق، نُشرت نتائجه في مجلة «نيتشر» العلمية المرموقة.

 

فقد تمكن الفريق من إبطاء نبضة ضوئية إلى نحو 17 مترًا في الثانية، أي إلى سرعة تقل كثيرًا عن السرعة المعتادة للضوء.

 

لكن كيف تحقق ذلك؟

 

سر التجربة.. مادة تقترب من الصفر المطلق

 

استخدمت هاو وفريقها حالة فريدة من حالات المادة تُعرف باسم تكاثف بوز-أينشتاين (Bose-Einstein Condensate).

 

وتتكون هذه الحالة من ذرات تُبرَّد إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض، تقترب من الصفر المطلق، فتظهر لها خصائص كمومية مميزة.

 

وفي التجربة، استخدم الباحثون سحابة فائقة البرودة من ذرات الصوديوم، مع توظيف ظاهرة فيزيائية تُعرف باسم «الشفافية المستحثة كهرومغناطيسيًا»،

وهي تقنية تسمح بمرور الضوء داخل وسط كان سيمتصه في الظروف العادية.

 

ومن خلال التحكم الدقيق في التفاعل بين الضوء والذرات، تمكن الفريق من إبطاء سرعة انتشار النبضة الضوئية إلى نحو 17 مترًا في الثانية.

 

وهنا يجب توضيح نقطة علمية مهمة: التجربة لم تغيّر سرعة الضوء في الفراغ، التي تظل ثابتة وفقًا لقوانين الفيزياء،

وإنما أبطأت سرعة انتشار النبضة الضوئية داخل الوسط المادي شديد الخصوصية.

 

عام 2001.. تخزين الضوء ثم إطلاقه من جديد

 

لم يتوقف الإنجاز عند إبطاء الضوء؛ ففي عام 2001، تمكن فريق هاو من إيقاف النبضة الضوئية وتخزين المعلومات التي تحملها داخل الوسط الذري، ثم إعادة إطلاقها باستخدام نبضة تحكم ليزرية.

 

والتفسير العلمي لهذه النتيجة أكثر إثارة؛ فالضوء لا يتوقف باعتباره فوتونات مجمدة في مكانها، وإنما تنتقل المعلومات الضوئية إلى حالة ذرية مترابطة،

يمكن الاحتفاظ بها لفترة وجيزة ثم استعادتها في صورة نبضة ضوئية من جديد.

 

وقد نُشرت نتائج هذه التجربة في مجلة «نيتشر» في يناير 2001، لتفتح بابًا جديدًا أمام دراسة التحكم في الضوء وتخزين المعلومات الكمومية.

 

ماذا يمكن أن نستفيد من إبطاء الضوء؟.. تطبيقات علمية وتقنية واعدة

 

قد يتساءل القارئ:

ما الفائدة العملية من إبطاء الضوء أو تخزين المعلومات التي يحملها؟

وهل يمكن أن يتحول هذا الإنجاز إلى تطبيقات يستفيد منها الإنسان في حياته اليومية؟

 

الإجابة أن أهمية التجربة لا تقتصر على إبطاء نبضة ضوئية داخل المعمل،

بل تكمن في فتح الطريق أمام وسائل جديدة للتحكم في المعلومات الضوئية وتخزينها واستعادتها،

ومن أبرز المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذه التقنية:

 

1- تطوير الحواسب الكمومية

 

تحتاج الحواسب الكمومية إلى وسائل دقيقة للتحكم في المعلومات الكمومية وتخزينها واسترجاعها.

وتساعد تقنيات تخزين الضوء في دراسة كيفية نقل المعلومات الكمومية بين الأنظمة التي تحتفظ بها والأنظمة التي تنقلها،

وهي خطوة مهمة في بناء حواسب كمومية أكثر تطورًا.

 

2- تطوير الاتصالات الكمومية الآمنة

 

تعتمد بعض أنظمة الاتصالات الكمومية على فوتونات تحمل معلومات حساسة.

وتتيح الذاكرة الكمومية، من حيث المبدأ، تخزين هذه المعلومات لفترة محدودة ثم استرجاعها،

وهو ما قد يساعد في بناء شبكات اتصال كمومية أكثر تطورًا، وتعزيز تقنيات توزيع مفاتيح التشفير.

 

3- إنشاء شبكات الإنترنت الكمومي

 

من التحديات المهمة في الاتصالات الكمومية أن الإشارات الضوئية قد تضعف أثناء انتقالها لمسافات طويلة.

وهنا تظهر أهمية ما يُعرف باسم «المكررات الكمومية»، وهي أنظمة يُبحث في تطويرها لتخزين الحالات الكمومية وإعادة تنظيم نقلها عبر مراحل متعددة،

بما يساعد على توسيع نطاق الشبكات الكمومية مستقبلًا.

 

4- تطوير الذاكرة الضوئية

 

تخيل أن المعلومات التي تحملها نبضة ضوئية لا تضيع بمجرد مرورها، بل يمكن تخزينها لفترة محدودة ثم استعادتها عند الحاجة!

هذا هو المبدأ الذي تقوم عليه أبحاث الذاكرة الضوئية والكمومية، والتي قد تسهم في تطوير أنظمة أكثر تقدمًا لمعالجة المعلومات.

 

5- التحكم في الإشارات داخل أنظمة الاتصالات الضوئية

 

تتيح أبحاث الضوء البطيء دراسة طرق تأخير النبضات الضوئية والتحكم في توقيتها،

وهو أمر قد يكون مفيدًا في تنظيم الإشارات ومزامنتها ومعالجتها داخل الأنظمة الضوئية.

ومع ذلك، فإن تحويل هذه الأفكار إلى ذاكرة عملية في شبكات الاتصالات التقليدية ما زال يواجه تحديات تتعلق بفقد الإشارة وسعة التخزين وسرعة نقل البيانات.

 

6- تطوير المعالجة الضوئية للمعلومات

 

تتجه الأبحاث الحديثة إلى استخدام الضوء في تنفيذ بعض عمليات معالجة البيانات بدلًا من الاعتماد الكامل على الإلكترونات،

من خلال ما يُعرف بالحوسبة الضوئية.

وتساعد دراسة التفاعل بين الضوء والمادة والتحكم في النبضات الضوئية على تطوير هذا المجال،

الذي قد يسهم مستقبلًا في بناء أنظمة حاسوبية أكثر كفاءة في بعض التطبيقات.

 

ومن المهم التأكيد أن هذه المجالات ليست كلها منتجات جاهزة للاستخدام التجاري؛ فبعضها حقق تقدمًا بحثيًا وتجريبيًا،

وبعضها ما زال يحتاج إلى تطوير تقني وهندسي كبير قبل أن يصل إلى الاستخدام الواسع.

 

من هي العالمة ليني هاو؟

 

– الاسم: ليني فيسترجارد هاو (Lene Vestergaard Hau).

– الجنسية: دنماركية.

– الدراسة: حصلت على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الفيزياء من جامعة آرهوس بالدنمارك.

– العمل الأكاديمي: أستاذة الفيزياء والفيزياء التطبيقية بجامعة هارفارد الأمريكية.

– مجالات البحث: الذرات فائقة البرودة، وتكاثف بوز-أينشتاين، والتفاعل بين الضوء والمادة، والظواهر الكمومية.

 

وحصلت هاو على زمالة مؤسسة ماك آرثر عام 2001، وهي الجائزة المعروفة إعلاميًا باسم «منحة العباقرة»، كما نالت عضويات وتكريمات علمية دولية تقديرًا لإسهاماتها البحثية.

 

العلم يكشف للإنسان آفاقًا جديدة

 

إن تجربة العالمة ليني هاو تذكرنا بأن ما يبدو مستحيلًا في مرحلة من مراحل المعرفة الإنسانية قد يصبح ممكنًا عندما تتقدم أدوات البحث وتتعمق قدرة الإنسان على فهم قوانين الكون.

 

وسبحان من قال في محكم التنزيل:

 

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33].

 

ويمكن أن نتأمل في كلمة «السلطان» هنا باعتبارها تذكيرًا بأهمية القوة والقدرة التي تمكّن الإنسان من بلوغ آفاق جديدة،

ومن بينها ما يكتسبه من علم ومعرفة وأدوات.

 

فكلما تعلم الإنسان، أدرك أن أمامه الكثير مما لم يكتشفه بعد.

 

سبحانك يا رب.. علمت الإنسان ما لم يعلم.



استخدم الكود
استخدم الكود


اضغط خصم النايل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *