الإسلام دين حياة
مسجدٌ ممتلئ… ومجتمعٌ جائع
بقلم: عبد المجيد عبوبي
في كل جمعة، تمتلئ المساجد بالصفوف، وتُرفع الأيدي بالدعاء. لكن بعد الخروج من المسجد، يعود الإنسان إلى واقعٍ ثقيل: غلاء، بطالة، هجرة، فقر، وظلمٍ يمرّ بصمت.
وهنا يُطرح السؤال:
إذا كان الإسلام دين حياة… فلماذا حياتنا لا تشبه الإسلام؟
الدين ليس طقسًا فقط
كثيرًا ما اختزلنا الدين في صورةٍ مريحة: نصلي، نصوم، نسمع دروسًا، ثم نعود إلى حياتنا كما هي.
لكن الإسلام لم ينزل ليكون شعلةً تُوقد في المسجد ثم تنطفئ عند الباب.
الإسلام دينُ حياة: يدخل السوق قبل أن يدخل البيت، ويصلح المعاملة قبل أن يصلح الشعارة.
فالدين الحق ليس «صلاةً وثومًا وملحًا»، بل حضورُ نور الله في معاملاتنا: في البيع والشراء، في الأجر والعقد، في الأسرة والجار، في القوي والضعيف.
- أين الإسلام في السوق والبيت؟
- أين الإسلام حين يُغشّ في السلعة، ويُحتكر القوت، ويُظلم العامل؟
- أين الإسلام حين يجوع الفقير بجوار من يملك؟
- أين الإسلام في البيت، حين تُكسر القلوب ويُهمل الحقوق؟
لا يمكن أن نبكي في المساجد على الفقراء، ثم نغلق قلوبنا في الأسواق.
الأرض أمانة… لا مجرد أرض
قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.
فالأرض في الإسلام ليست مجرد أرض، بل أمانة ووسيلة عمران. لم يُخلق الإنسان ليستهلك الأرض فقط، بل ليُعمّرها بالعلم والعمل.
انظر إلى السودان:
أرضٌ خصبة قادرة على إطعام جزء كبير من العالم الإسلامي، لكنها اليوم تعيش حربًا وانقسامًا، فتحوّلت ثروتها إلى مأساة، وشعبها إلى لاجئين وجائعين.
وهنا المفارقة:
نحن نملك الأرض… لكننا لا نملك أحيانًا العلم أو الوحدة أو الإرادة التي تُعمّرها.
تفكيك البنية: بن نبي وأركون
يرى مالك بن نبي أن الحضارة تقوم على ثلاثة: الدين، الإنسان، الأرض.
فإذا ضعف الدين، وضعف الإنسان، وأُهملت الأرض… انهارت البنية الحضارية.
أما محمد أركون فيرى أن الأزمة ليست في «ضعف الإيمان» فقط، بل في تحويل الدين إلى سلطة وتقليد وشعارات، بدل أن يكون نورًا ومسؤولية واجتهادًا.
وباختصار:
الدين صار طقوسًا منفصلة عن الحياة.
الإنسان صار مستهلكًا لا فاعلًا.
الأرض صارت تُستنزف ولا تُعمَّر.
العلم صار شعارات لا تنمية.
وهكذا صار المسجد ممتلئًا… والمجتمع جائعًا.
الصمت أمام الظلم
أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة ليست أن يظلمها الظالم، بل أن يصمت الناس أمام الظلم.
فالصمت ليس حيادًا، بل أحيانًا شركٌ في الجريمة.
والحق لا يموت حين يُقتل، بل حين يتخلى عنه أهله.
الخاتمة
ربنا لا يسألنا فقط: هل صلّينا؟
بل يسألنا: هل غيّرتك الصلاة؟
هل جعلتك أرحم؟ أعدل؟ أصدق؟ أكرم؟
هل جعلتك تعمل، وتُعمّر، وتحمي، وتتكافل؟
فإن لم تُغيّرنا الصلاة…
فربما نحن لم نصلِّ حقًا.
اللهم اجعل إيماننا نورًا في السوق والبيت والعمل،
لا شعارًا على الألسنة فقط.
واجعلنا عمّارًا لا مبذّرين، وفاعلين لا متفرجين.



