طبول الحرب تُقرع في الشرق.. وأقلامنا تبحث عن «التريند»! - النايل نيوز
الرئيسية » طبول الحرب تُقرع في الشرق.. وأقلامنا تبحث عن «التريند»!
مقالات

طبول الحرب تُقرع في الشرق.. وأقلامنا تبحث عن «التريند»!

كتب المقال بواسطة أ/
*/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

طبول الحرب تُقرع في الشرق.. وأقلامنا تبحث عن «التريند»!

 

بقلم: عبد المجيد عبوبي

 

بينما تنشغل شاشات هواتفنا بمتابعة أخبار عابرة ومعارك وهمية على منصات التواصل الاجتماعي، تمر المنطقة العربية بمرحلة شديدة الاضطراب،

وسط تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى،

بالتزامن مع تجدد المواجهات بين جماعة الحوثي والسعودية، واتساع رقعة التوتر في أكثر من جبهة.

 

لم تعد التطورات مجرد أخبار عسكرية بعيدة عن حياة المواطن العربي؛ فانعكاساتها تمتد إلى أمن المنطقة، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة، والاقتصادات الوطنية،

بل إلى تفاصيل الحياة اليومية للملايين. وبين الصواريخ والنفط والتحالفات الدولية،

تبدو شعوب المنطقة أمام مرحلة تتطلب وعيًا حقيقيًا بما يجري، لا مجرد متابعة عابرة للعناوين.

 

في الماضي، وتحديدًا خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان للمثقف العربي دور يشبه دور البوصلة وسط العاصفة.

فعندما كانت تندلع الأزمات، كان القارئ في المغرب ومصر وغيرهما من البلدان العربية

يبحث عن المجلات الفكرية والصحف الكبرى، ليقرأ تحليلات عميقة لأسماء مثل عزيز بلال، ومحمد عابد الجابري، ومحمد حسنين هيكل.

 

كانت المقالة آنذاك مساحة للفهم والتوعية، وأداة لتفسير الأحداث وربطها بحياة الناس، وتبسيط القضايا السياسية والاقتصادية المعقدة،

حتى يدرك المواطن كيف تنعكس الحروب والصراعات على لقمة عيشه وأمن أسرته ومستقبل أبنائه.

 

أما اليوم، فنحن أمام ظاهرة تستحق التوقف والتأمل: «المثقف التائه».

 

لقد تاه بعض المثقفين في زحام خوارزميات الإعجابات والمشاهدات السريعة.

وبدلًا من توظيف أدواتهم الفكرية في قراءة التحولات الإقليمية، وتفكيك أبعاد الصراعات وتداعياتها السياسية والاقتصادية،

انشغل بعضهم بالصمت، بينما انجرف آخرون إلى معارك جانبية لا تقدم معرفة ولا تصنع وعيًا.

 

وهكذا اتسعت المساحة أمام الشائعات والتحليلات السطحية،

وأصبح الشباب يتلقون كثيرًا من معلوماتهم من منصات ومصادر لا تلتزم دائمًا بالتدقيق أو التحقق،

في وقت تزداد فيه الحاجة إلى الكلمة المسؤولة والرأي المستند إلى المعرفة.

 

إن ما تشهده المنطقة ليس مجرد صراع عسكري بعيد عنا؛

فالتوترات الإقليمية يمكن أن تمتد آثارها إلى الأمن الغذائي، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة والاستثمار، واستقرار الاقتصادات العربية.

ومن هنا، لا يملك المثقف رفاهية الانعزال عن قضايا مجتمعه، ولا يجوز أن يتحول حضوره إلى مجرد تعليق عابر بحثًا عن التفاعل.

 

لسنا بحاجة إلى أصوات تردد الأخبار دون تمحيص، ولا إلى أقلام تضخم المخاوف أو تبيع الأوهام،

بل إلى مثقف يمتلك الشجاعة والمعرفة معًا؛ يشرح دون تهويل، وينتقد دون تجريح، ويفرق بين المعلومة والشائعة، وبين التحليل والحقيقة،

ويضع مصلحة الإنسان العربي في قلب اهتمامه.

 

في هذا التوقيت الحرج، تصبح مسؤولية الكلمة أكبر من مجرد صناعة «تريند».

فالمثقف الحقيقي لا يقاس بعدد الإعجابات التي يحصدها، بل بقدرته على إضاءة العقول، وفتح أبواب النقاش، ومساعدة الناس على فهم ما يدور حولهم.

 

لم يعد مقبولًا أن تبقى أقلامنا تائهة والمنطقة من حولنا تواجه أزمات متلاحقة.

لقد حان الوقت ليستعيد المثقف دوره، ويخرج من أسر المنصات الافتراضية، ليكون صوتًا للوعي، ومساحة للحوار، وحصنًا في مواجهة الجهل والتضليل.

 

فحين تُقرع طبول الحرب، لا نحتاج إلى مزيد من الضجيج.. بل إلى أقلام تعرف ماذا تقول، ولماذا تقوله، ولمن تكتب.


احدث عروض جوميا
احدث عروض نون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *