مؤتمر شيونغآن للحوكمة العالمية 2026.. ماذا يمكن أن تجني مصر ودول الجنوب العالمي من التجربة الصينية؟
تحليل الدكتورة/ نادية حلمي
الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الحاكم في الصين والشؤون الآسيوية، والمحللة الاستخباراتية، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف.
يمثل منتدى الحوكمة العالمية في منطقة شيونغآن الجديدة بمقاطعة خبي شمالي الصين، الذي عُقد خلال الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر 2026، منصة دولية جديدة لطرح رؤى إصلاح النظام العالمي وتعزيز التعاون متعدد الأطراف، وذلك تحت شعار: «إعادة بناء الثقة وتعزيز التعاون: إصلاح الحوكمة العالمية وتطويرها في عالم يشهد تحولات كبرى».
وجاء انعقاد المنتدى بالتزامن مع مرور عام على إطلاق الرئيس الصيني شي جين بينغ «مبادرة الحوكمة العالمية» عام 2025، في إطار توجه صيني يستهدف تعزيز دور المؤسسات الدولية، وتوسيع مشاركة الدول النامية في صياغة القرارات العالمية، والدفع نحو نظام دولي أكثر شمولًا وتوازنًا.
وشهد المنتدى مشاركة أكثر من 400 ممثل وشخصية من أكثر من 90 دولة ومنظمة دولية وإقليمية، من بينهم مسؤولون وشخصيات سياسية وخبراء وأكاديميون وممثلون عن قطاعات الأعمال والإعلام والشباب. ونظمته الجمعية الصينية للدبلوماسية الشعبية، بالتعاون مع عدد من المؤسسات الصينية المعنية بالعلاقات الدولية والدراسات السياسية.
وقد بعث الرئيس الصيني شي جين بينغ برسالة إلى المنتدى، أكد فيها أهمية الالتزام برؤية الحوكمة العالمية القائمة على التشاور المشترك والمساهمة الجماعية وتحقيق المنافع المتبادلة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
كما ألقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي كلمة في الجلسة الافتتاحية، نقل خلالها رسالة الرئيس الصيني، وأعلن عن ثمانية إجراءات عملية لتطبيق مبادرة الحوكمة العالمية، شملت دعم إصلاح الأمم المتحدة، وتعزيز دور مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية، والتعاون في إدارة الموارد البحرية، ودعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير حوكمة الفضاء الخارجي، وتعزيز بناء القدرات في الذكاء الاصطناعي، وإنشاء مركز لأبحاث الحوكمة العالمية.
وتناولت جلسات المنتدى قضايا إصلاح الأمم المتحدة، والتنمية المستدامة، وتعزيز دور دول الجنوب العالمي في صياغة القواعد الاقتصادية والتجارية الدولية، وتحقيق تنمية أكثر عدالة وشمولًا في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب دور التبادل الإنساني والثقافي في دعم الحوكمة العالمية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التساؤل عن الفرص التي يمكن أن تحققها مصر ودول الجنوب العالمي من هذه التحركات الصينية، وكيف يمكن تحويل الحوار السياسي والتوافقات الدولية إلى مكاسب اقتصادية وتنموية وتكنولوجية ملموسة.
أولًا: التوافق السياسي والوزن الدبلوماسي لدول الجنوب العالمي
تجلّى حضور دول الجنوب العالمي بوصفه أحد المحاور الرئيسية في نقاشات منتدى شيونغآن، خاصة في ظل المطالب المتزايدة بإعادة النظر في هيكل النظام الدولي، وتوسيع مشاركة الدول النامية في صياغة القرارات التي تؤثر في مستقبل الاقتصاد والسياسة العالميين.
ويمكن رصد أهمية هذا الحضور من خلال عدة محاور:
1- إصلاح النظام الدولي وتعزيز دور الأمم المتحدة
أكدت نقاشات المنتدى أهمية تطوير منظومة الأمم المتحدة، وتعزيز قدرتها على التعامل مع الأزمات الدولية، مع ضرورة زيادة تمثيل الدول النامية في دوائر صنع القرار السياسي والاقتصادي الدولي.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة بالنسبة لدول الجنوب العالمي، التي تسعى إلى تجاوز حالة عدم التوازن في المؤسسات الدولية، بحيث لا تظل قواعد إدارة النظام العالمي محصورة في إرادة القوى الكبرى وحدها.
2- الشراكة المصرية الصينية
يمثل التقارب المصري الصيني في قضايا التعاون التنموي والتعددية الدولية فرصة لتعزيز حضور القاهرة في النقاشات المتعلقة بمستقبل الحوكمة العالمية.
فمصر تمتلك موقعًا استراتيجيًا مهمًا في محيطها العربي والأفريقي، فضلًا عن دورها في المؤسسات الدولية والإقليمية، وهو ما يمنحها فرصة للمساهمة في صياغة مواقف مشتركة تدعم مصالح الدول النامية.
ومن هنا، يمكن للشراكة المصرية الصينية أن تتجاوز حدود التعاون التجاري والاستثماري التقليدي، لتشمل التنسيق في قضايا إصلاح المؤسسات الدولية، وتمويل التنمية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب.
3- الوزن السياسي والتمثيل الدبلوماسي لدول الجنوب
تعكس مشاركة أكثر من 400 شخصية وممثل من أكثر من 90 دولة ومنظمة دولية وإقليمية اتساع الاهتمام الدولي بقضايا الحوكمة العالمية، كما أظهرت جلسات المنتدى حضورًا واضحًا لمطالب دول الجنوب في مجالات التنمية والتجارة والتكنولوجيا.
وقد وفرت المناقشات مساحة لطرح مطالب تتعلق بمعالجة الاختلالات الهيكلية في النظام الدولي، والانتقال من مجرد الالتزام بالقواعد التي تضعها القوى الكبرى إلى المشاركة الفعلية في صياغتها.
لكن تحويل هذا الحضور إلى وزن سياسي مؤثر يظل مرهونًا بقدرة دول الجنوب على تنسيق مواقفها، وبناء تحالفات تفاوضية مستمرة، وتقديم مقترحات عملية مشتركة.
ثانيًا: المبادئ الأساسية للحوكمة العالمية ومستقبل النظام الدولي
شهد المنتدى نقاشات حول مجموعة من المبادئ التي تستهدف تطوير إدارة العلاقات الدولية، وتوسيع المشاركة في معالجة التحديات العالمية، خاصة مع مرور عام على إطلاق مبادرة الحوكمة العالمية الصينية عام 2025.
وتقوم المبادرة، وفق الرؤية الصينية، على خمسة مبادئ أساسية: المساواة في السيادة، والالتزام بالقانون الدولي، والتمسك بالتعددية، واعتماد نهج يضع الإنسان في قلب عملية التنمية، والتركيز على التنفيذ العملي.
وفي هذا الإطار، برزت ثلاثة محاور رئيسية:
1- إضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات الدولية
ويعني ذلك توسيع مشاركة الدول النامية ودول الجنوب العالمي في مناقشة القرارات الدولية وصياغتها، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة والتمثيل، ويحد من اختلال موازين التأثير داخل المؤسسات الدولية.
2- التعددية الحقيقية ورفض الأحادية
أكدت الرؤية المطروحة أهمية التشاور بين الدول، والمساهمة المشتركة في إدارة القضايا الدولية، وتحقيق المنافع المتبادلة، بدلًا من فرض الحلول الأحادية أو استخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي في إدارة الخلافات.
3- وضع التنمية في صميم أجندة الحوكمة العالمية
تظل التنمية المستدامة أولوية أساسية لدول الجنوب، التي تحتاج إلى تمويل عادل، ونقل للتكنولوجيا، وتوسيع فرص التجارة والاستثمار، بما يساعدها على تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام 2030.
ومن ثم، فإن نجاح أي إصلاح للحوكمة العالمية لا ينبغي أن يُقاس فقط بتطوير المؤسسات أو إصدار البيانات، وإنما بمدى انعكاسه على حياة الشعوب، وقدرة الدول النامية على تحسين مستويات المعيشة وتوفير فرص العمل وتحقيق التنمية.
ثالثًا: التكنولوجيا وبناء القدرات والذكاء الاصطناعي
لم تعد قضايا الحوكمة العالمية مقتصرة على العلاقات السياسية والاقتصادية التقليدية، بل امتدت بصورة متزايدة إلى المجالات التكنولوجية الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والفضاء الخارجي والموارد البحرية والمناطق القطبية.
وقد عكست مناقشات شيونغآن أهمية مشاركة دول الجنوب العالمي في وضع القواعد المنظمة لهذه المجالات، حتى لا تتحول التكنولوجيا المتقدمة إلى مصدر جديد لتوسيع الفجوة بين الدول الغنية والنامية.
ويمكن تحديد أبرز فرص الاستفادة في هذا المجال من خلال ما يلي:
1- حوكمة الذكاء الاصطناعي وتقليص الفجوة الرقمية
برزت الحاجة إلى وضع قواعد دولية عادلة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، وضمان ألا تنفرد مجموعة محدودة من الدول والشركات بتحديد مستقبل هذه التكنولوجيا.
وبالنسبة لمصر ودول الجنوب، فإن الأولوية لا تتمثل فقط في المشاركة في النقاشات التنظيمية، وإنما في امتلاك القدرة على تطوير التطبيقات المحلية، وتدريب الكوادر، وتوفير البنية التحتية الرقمية، وضمان الاستفادة من التكنولوجيا في التعليم والصحة والصناعة والزراعة والخدمات الحكومية.
2- نموذج شيونغآن بوصفه تجربة في التخطيط الحضري الحديث
جاء اختيار منطقة شيونغآن الجديدة لاستضافة المنتدى ليمنح المشاركين فرصة للاطلاع على تجربة صينية في التخطيط طويل الأجل، وتطوير البنية التحتية، وتوظيف التكنولوجيا في إدارة المدن والخدمات العامة.
وتقدم التجربة مجالًا مهمًا لتبادل الخبرات في الإدارة الحضرية، والتحول الرقمي، والبنية التحتية الخضراء، وتحسين كفاءة الخدمات.
وبالنسبة لمصر، يمكن الاستفادة من هذه الخبرات في تطوير المدن الجديدة، وتحسين إدارة المرافق والطاقة والنقل، مع مراعاة اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بين البلدين.
3- بناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي
أعلن الجانب الصيني عن خطوات لتعزيز التعاون الدولي في بناء القدرات بمجال الذكاء الاصطناعي، من بينها إصدار تقرير لمتابعة تنفيذ خطة بناء القدرات في هذا المجال.
ويمثل ذلك فرصة أمام الجامعات المصرية ومراكز البحوث والمؤسسات التكنولوجية لتوسيع برامج التدريب والتعاون البحثي، والاستفادة من الخبرات الصينية في تطوير التطبيقات الرقمية.
وتظل الأولوية هنا هي الانتقال من استيراد التكنولوجيا إلى بناء قدرات محلية قادرة على تطويرها وتكييفها مع احتياجات المجتمع والاقتصاد المصري.
رابعًا: المكاسب الاقتصادية والتجارية المشتركة لدول الجنوب العالمي
تتجاوز أهمية منتدى شيونغآن حدود الحوار السياسي، إذ تطرح قضاياه فرصًا للتعاون الاقتصادي والتجاري، خاصة في ظل التحديات التي تواجه التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، وتزايد الحاجة إلى تنويع الشراكات الاقتصادية.
ويمكن لمصر ودول الجنوب الاستفادة من هذا التوجه عبر عدد من المسارات:
1- تعزيز الصادرات المصرية إلى السوق الصينية
تشير بيانات قطاع الصناعات الكيماوية والأسمدة إلى ارتفاع الصادرات المصرية إلى الصين بنسبة 678% خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، لتصل إلى نحو 287 مليون دولار، مقارنة بنحو 36.9 مليون دولار خلال الفترة المقابلة من العام السابق.
ويعكس هذا التطور فرصة مهمة أمام الصادرات المصرية لتعزيز حضورها في السوق الصينية، خاصة في القطاعات التي تمتلك فيها مصر قدرات إنتاجية وتنافسية.
ومن المهم البناء على هذا النمو من خلال تنويع المنتجات المصدرة، وتحسين الجودة، وتطوير سلاسل الإنتاج، والاستفادة من الاتفاقات التجارية وآليات تسهيل النفاذ إلى الأسواق.
2- الاستفادة من سياسة الإعفاءات الجمركية الصينية للمنتجات الأفريقية
من التطورات المهمة في العلاقات الاقتصادية الصينية الأفريقية، بدء تطبيق المعاملة الجمركية الصفرية على واردات الصين من جميع الدول الأفريقية الـ53 التي تربطها بها علاقات دبلوماسية، اعتبارًا من الأول من مايو 2026.
وتشمل السياسة الدول الأفريقية الأقل نموًا، إلى جانب 20 دولة أفريقية أخرى، من بينها مصر، وفق ترتيبات جمركية تفضيلية معلنة لمدة عامين، مع استمرار التفاوض بشأن اتفاقات الشراكة الاقتصادية للتنمية المشتركة.
ورغم أن هذه السياسة سبقت انعقاد منتدى شيونغآن، فإنها تتكامل مع توجهات التعاون الاقتصادي التي ناقشها المنتدى، وتفتح فرصًا أمام الصادرات المصرية والأفريقية، بشرط استيفاء قواعد المنشأ والمواصفات الفنية والصحية ومتطلبات النفاذ إلى السوق الصينية.
3- مشاريع الحزام والطريق والاستثمارات المستدامة
يمكن أن يساهم تطوير الحوكمة الاقتصادية والتعاون متعدد الأطراف في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمارات المشتركة، خاصة في مشروعات البنية التحتية والطاقة المتجددة والنقل والصناعة والخدمات اللوجستية.
وتستطيع مصر توظيف موقعها الجغرافي وموانئها ومنطقة قناة السويس وقدراتها الصناعية في جذب استثمارات تستهدف السوق المحلية والأسواق الأفريقية والعربية.
لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب أن ترتبط الاستثمارات بنقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وزيادة المكون المحلي، وتوفير فرص العمل، وليس الاكتفاء بإنشاء مشروعات منفصلة عن احتياجات الاقتصاد الوطني.
4- إصلاح الحوكمة التجارية وتكافؤ الفرص
تظل إصلاحات منظمة التجارة العالمية والمؤسسات المالية الدولية من القضايا المهمة لدول الجنوب، خاصة فيما يتعلق بتكافؤ الفرص، ومعالجة آثار الحمائية التجارية، وتيسير وصول المنتجات والخدمات إلى الأسواق.
وفي هذا السياق، كانت الصين قد أعلنت في سبتمبر 2025 أنها لن تسعى إلى الحصول على معاملة خاصة وتفضيلية جديدة في مفاوضات منظمة التجارة العالمية الحالية والمستقبلية، مع تأكيدها أن ذلك لا يعني تخليها عن وضعها كدولة نامية أو عن حقوقها القائمة بموجب الاتفاقات السابقة.
ويعكس هذا الموقف أحد التطورات المرتبطة بالنقاش حول إصلاح النظام التجاري الدولي، وإن كان لا يمثل قرارًا صدر عن منتدى شيونغآن نفسه.
5- آليات تسوية النزاعات التجارية والاستثمارية
من المهم لدول الجنوب تطوير آليات قانونية ومؤسسية تساعد على تسوية النزاعات التجارية والاستثمارية بصورة أكثر فاعلية، وتحد من تكلفة التقاضي وتعقيداته.
وفي هذا الإطار، تمثل المنظمة الدولية للوساطة، التي دخلت اتفاقية إنشائها حيز النفاذ في أغسطس 2025، تجربة دولية تستحق المتابعة، باعتبارها آلية مستقلة لتسوية المنازعات بالوساطة، بعيدًا عن المسارات القضائية التقليدية.
ويمكن لمصر دراسة فرص الاستفادة من هذه الآليات، وتعزيز قدراتها القانونية والتفاوضية في مجال تسوية المنازعات الاقتصادية والتجارية.
6- الحوكمة الرقمية والذكاء الاصطناعي كرافعة اقتصادية
تتيح مناقشات الحوكمة الرقمية فرصة أمام الدول النامية للمطالبة بتوسيع الوصول إلى التكنولوجيا، وتعزيز التعاون في مجالات التدريب والبحث والتطوير، وتبادل الخبرات.
وبالنسبة لمصر، يمكن أن يشكل التعاون مع الصين في هذا المجال مدخلًا لتطوير الصناعات الرقمية، وزيادة كفاءة الخدمات الحكومية، ودعم الشركات الناشئة، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الإنتاجية.
7- الاستفادة من نموذج التنمية المستدامة في شيونغآن
تقدم منطقة شيونغآن الجديدة تجربة تستحق الدراسة في التخطيط الحضري طويل الأجل، والاعتماد على البنية التحتية الحديثة، وتطوير الخدمات الرقمية، والاهتمام بالبيئة والاستدامة.
ويمكن لمصر الاستفادة من هذه التجربة في مجالات إدارة المدن الجديدة، وترشيد استهلاك الطاقة، وتحسين النقل، وتطوير الخدمات العامة، دون افتراض إمكانية نقل النموذج كاملًا بمعزل عن طبيعة كل مدينة واحتياجاتها.
8- تمويل التنمية ومواجهة السياسات الأحادية
تحتاج دول الجنوب إلى آليات تمويل أكثر استجابة لأولوياتها التنموية، وإلى نظام اقتصادي دولي يحد من الآثار السلبية للتوترات التجارية والعقوبات والاضطرابات التي تصيب سلاسل الإمداد.
ومن هنا، تبرز أهمية التنسيق بين الدول النامية للدفاع عن مصالحها في المؤسسات المالية والتجارية الدولية، والعمل على جذب الاستثمارات إلى المشروعات الإنتاجية والبنية التحتية والطاقة والتعليم والتكنولوجيا.
خامسًا: المؤسسات الجديدة ومراكز الأبحاث وبناء القدرات
من أبرز ما أعلنه وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال المنتدى مجموعة من الإجراءات العملية التي تستهدف تحويل مبادرة الحوكمة العالمية من إطار فكري وسياسي إلى برامج تعاون ومؤسسات ومبادرات قابلة للتنفيذ.
ومن أهم هذه الإجراءات:
1- إنشاء مركز أبحاث الحوكمة العالمية
أعلنت الصين عزمها إنشاء مركز متخصص لأبحاث الحوكمة العالمية، يتولى دراسة القضايا النظرية والعملية المرتبطة بإصلاح النظام الدولي، وإصدار مؤشر للحوكمة العالمية، وإعداد تقارير سنوية تقدم رؤى وتوصيات لدعم عملية تطوير المؤسسات الدولية.
ويمثل المركز فرصة أمام الجامعات ومراكز البحوث المصرية والعربية والأفريقية للمشاركة في الدراسات المشتركة، وتبادل الخبرات، وتقديم رؤى تعكس أولويات دول الجنوب العالمي.
2- ورش عمل لبناء القدرات في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
أعلنت الصين عن تنظيم ورشة عمل بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بهدف دعم قدرات الدول النامية، وتعزيز حضور الحق في التنمية ضمن أجندة الحوكمة الدولية.
ويمكن لهذه المبادرات أن تفتح مجالات للتعاون بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية المصرية ونظيراتها الصينية، خاصة في دراسة العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان والسياسات الاجتماعية.
3- تطوير التعاون في حوكمة الفضاء الخارجي
تضمنت الإجراءات الصينية إعلانًا عن إصدار ورقة موقف بشأن تعزيز حوكمة الفضاء الخارجي، بما يدعم توسيع المشاركة الدولية في وضع القواعد المنظمة للأنشطة الفضائية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية للدول النامية التي تسعى إلى الاستفادة من تطبيقات الفضاء في الاتصالات والاستشعار عن بعد ومراقبة التغيرات المناخية وإدارة الموارد الطبيعية.
4- تعزيز التعاون الدولي في الذكاء الاصطناعي
تضمنت الإجراءات أيضًا إصدار تقرير عن التقدم المحرز في خطة بناء القدرات في الذكاء الاصطناعي، بهدف مراجعة نتائج التعاون والخبرات العملية، وتشجيع توسيع المشاركة الدولية في هذا المجال.
وهنا تبرز أهمية مشاركة مصر في المبادرات التي تتيح التدريب وتبادل الخبرات وبناء القدرات، بما يساعد على تقليص الفجوة الرقمية وتعزيز القدرة على تطوير التكنولوجيا محليًا.
خاتمة: من الحوار الدولي إلى المكاسب الوطنية
وبناءً على ما سبق، يمكن النظر إلى منتدى شيونغآن للحوكمة العالمية باعتباره محطة جديدة في مسار النقاش الدولي حول مستقبل النظام العالمي، ودور المؤسسات متعددة الأطراف، ومكانة دول الجنوب في صياغة قواعد التعاون السياسي والاقتصادي والتكنولوجي.
وتسعى الصين من خلال مبادرة الحوكمة العالمية التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ عام 2025 إلى تقديم رؤية لإصلاح منظومة الحوكمة الدولية، تقوم على المساواة في السيادة، والالتزام بالقانون الدولي، والتعددية، ووضع الإنسان في قلب التنمية، وتحويل المبادئ إلى إجراءات عملية.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه المبادرات لا تُقاس فقط بما تتضمنه من شعارات أو بيانات سياسية، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج نتائج ملموسة، وتوفير فرص عادلة للدول النامية، وتعزيز مشاركتها في المؤسسات الدولية، وتوسيع قدرتها على الوصول إلى التكنولوجيا والتمويل والأسواق.
وبالنسبة لمصر، فإن الفرصة الحقيقية تكمن في تحويل التقارب السياسي مع الصين إلى برامج تعاون واضحة، تشمل زيادة الصادرات، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير الصناعة، وبناء القدرات البشرية، وتعزيز التعاون البحثي، والاستفادة من الخبرات الصينية في التخطيط الحضري والتنمية المستدامة.
كما أن دول الجنوب العالمي مطالبة بالانتقال من مرحلة التعبير عن المطالب إلى مرحلة التنسيق المؤسسي وصياغة المبادرات المشتركة، حتى يصبح حضورها في المحافل الدولية قوة تفاوضية قادرة على التأثير في القرارات والقواعد التي تحكم مستقبل العالم.
وفي النهاية، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: ماذا تريد الصين من إصلاح الحوكمة العالمية؟ بل أصبح أيضًا: كيف تستطيع مصر ودول الجنوب العالمي توظيف هذه التحولات لصالح شعوبها، وتحويل فرص التعاون الدولي إلى تنمية حقيقية ومستدامة؟



