ليست المناصب هيبة.. قيمة الإنسان فيما يتركه من أثر
بقلم: الصحفي والإعلامي مجدي درويش
ليست الهيبة في منصبٍ تشغله، ولا المكانة في عمرٍ تحمله، ولا التفوق في لقبٍ تضعه قبل اسمك
، وإنما القيمة الحقيقية فيما أنت عليه، وما تملكه من علمٍ وخلقٍ وأثر.
من أكثر الأمور التي تستحق التأمل أن بعض الناس يخلطون بين المكانة والمنصب، وبين الاحترام والسن،
فيظن أحدهم أن مجرد وصوله إلى منصب معين يمنحه الحق في التعالي على الآخرين، أو أن تقدمه في العمر يجعله بالضرورة أعلى قدرًا وأعظم شأنًا من غيره.
فتجد من يتحدث إلى الناس من برجٍ عالٍ، لا لشيء إلا لأنه يشغل منصبًا، أو يحمل لقبًا، أو يكبر من حوله سنًا،
وكأن هذه الأمور تمنحه تفوقًا مطلقًا، وكأن الآخرين مطالبون بالخضوع له لمجرد ما يحمله من صفة أو ما وصل إليه من مكانة.
والحقيقة أن هؤلاء يغفلون عن فارق جوهري بين المكانة التي يمنحها الظرف، والمكانة التي يصنعها الإنسان بنفسه.
فالمنصب مهما علا يظل منصبًا قابلًا للزوال، والسلطة مهما امتدت فلها نهاية، واللقب مهما بدا براقًا قد يفقد صاحبه يومًا،
والعمر مهما طال لا يمنح الإنسان حصانة من أن يوجد من هو أكبر منه سنًا، أو أعلم منه، أو أكثر منه حكمةً ورجاحةً.
بل إن الإنسان نفسه راحل، ولن يبقى له من مظاهر الدنيا شيء؛ فلا منصبه سيصاحبه، ولا سلطته ستدوم له، ولا صفته الوظيفية ستظل تميزه بعد رحيله.
فما الذي يبقى إذن؟
يبقى العلم الذي علّمت به غيرك، والعمل الذي نفعت به الناس، والمواقف التي كشفت عن أصلك، والأخلاق التي جعلت لك قدرًا في قلوب من عرفوك.
هناك فرق كبير بين شخص يحترمه الناس لأنهم مضطرون إلى التعامل معه بحكم منصبه،
وشخص يحترمونه لأنهم يرون فيه قيمة حقيقية، ويقدرون علمه وأخلاقه وعقله، حتى وإن لم يكن يشغل منصبًا، وحتى وإن لم يكن يحمل لقبًا.
الأول قد ينفض الناس من حوله بمجرد زوال سلطته، أما الثاني فتظل مكانته حاضرة في النفوس حتى في غيابه، بل ربما تزداد مكانته بعد رحيله.
وليس معنى ذلك التقليل من شأن السن أو المناصب؛ فلكل منهما احترامه وتقديره، ولكن الخطأ أن يتخذهما الإنسان مبررًا للغرور، أو وسيلة لانتقاص الآخرين، أو دليلًا على تفوق لم يصنعه بنفسه.
فليس كل صاحب منصب صاحب قيمة، وليس كل كبير في السن كبيرًا في العلم والحكمة، وليس كل من امتلك سلطة امتلك هيبة حقيقية.
إن التفوق الحقيقي أن تكون عظيمًا دون أن تتعالى، وقويًا دون أن تظلم، وعالمًا دون أن تحتقر جاهلًا، وصاحب مكانة دون أن تحتاج إلى تذكير الناس بها في كل موقف.
أن يكون حضورك احترامًا لا خوفًا، وأن تكون كلماتك ثقلاً لا صخبًا، وأن تكون قيمتك نابعة منك، لا من شيء استعرتَه من الدنيا.
واعلم أن أعظم ما يمكن أن يبلغه الإنسان ليس أن يظل اسمه مرتبطًا بمنصب شغله، وإنما أن يظل أثره مرتبطًا بعلم نافع، أو عمل صالح، أو موقف نبيل، أو كلمة حق تركت أثرًا لا يمحوه الزمن.
اصنع لنفسك مكانة لا تحتاج إلى منصب يحميها، وهيبة لا تحتاج إلى سلطة تفرضها، واسمًا لا يحتاج إلى لقب يسبقه حتى يعرف الناس قيمته.
فالمناصب تتغير، والأعمار تنقضي، والأشخاص يرحلون، لكن الأثر الطيب قد يبقى بعد صاحبه أجيالًا.
ولعل أجمل ما يُسأل الله به ليس مجرد رفعة في الدنيا، وإنما أن يجعل لنا ذكرًا حسنًا وأثرًا طيبًا بعد الرحيل.
قال الله تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام:
﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾
[سورة الشعراء: الآية 84].
اللهم ارزقنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وخلقًا كريمًا، واجعل لنا أثرًا طيبًا وذكرًا حسنًا فيمن بعدنا.



