الشهيد محمد أشرف عبد الفتاح.. حكاية بطل من شهداء سيناء
الرئيسية » الشهيد البطل ملازم أول محمد أشرف عبد الفتاح.. ضابط رفض الإغراءات واختار البقاء في سيناء حتى نال الشهادة
مقالات

الشهيد البطل ملازم أول محمد أشرف عبد الفتاح.. ضابط رفض الإغراءات واختار البقاء في سيناء حتى نال الشهادة

كتب المقال بواسطة أ/
*/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

الشهيد البطل ملازم أول محمد أشرف عبد الفتاح.. ضابط رفض الإغراءات واختار البقاء في سيناء حتى نال الشهادة

 

الحلقة الثانية والخمسون من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»

 

توثيق: د. أحمد علي عطية الله

 

هناك رجال لا تُختصر حكاياتهم في تاريخ الميلاد والاستشهاد، بل تبقى سيرتهم حاضرة في مواقفهم، وأخلاقهم، وما تركوه من أثر في قلوب زملائهم وأسرهم. ومن بين هؤلاء الشهيد البطل الملازم أول محمد أشرف عبد الفتاح، أحد أبناء مصر الذين أدوا واجبهم في مواجهة الإرهاب بشمال سيناء، وتركوا خلفهم سيرة عنوانها الإخلاص والشجاعة والوفاء.

 

من شبرا إلى الكلية الحربية.. حلم بدأ منذ الطفولة

 

وُلد الشهيد محمد أشرف عبد الفتاح في حي شبرا العريق بالقاهرة يوم 4 ديسمبر 1993، ونشأ محبًا للقوات المسلحة، متأثرًا بعمل والده ضابطًا بها، حتى أصبح الالتحاق بالكلية الحربية حلمه الأكبر، والمهنة التي لم يكن يتمنى سواها.

 

وتروي والدته أن روح محمد المرحة وحبه الشديد للناس كانا من أبرز صفاته منذ طفولته، وأن ألعابه كانت تعكس تعلقه المبكر بالحياة العسكرية؛ فلم يكن يميل إلا إلى الطائرات والسيارات الجيب والدبابات والمسدسات والدمى التي تشبه الجنود.

 

لم يكن حلمه مجرد أمنية عابرة، بل سعى إلى تحقيقه بجدية وإصرار. فكان يستعد لاختبارات الكلية الحربية بدنيًا وطبيًا، ويتردد على الأطباء للاطمئنان إلى جاهزيته، ويحرص على ممارسة التدريبات الرياضية التي تساعده على اجتياز الاختبارات.

 

وتستعيد والدته أيام تقدمه للكلية، فتقول إنه خاض الاختبارات عقب انتهاء امتحانات الثانوية العامة، وكانت آنذاك خلال شهر رمضان، في أجواء شديدة الحرارة. كان يتناول السحور، ويؤدي صلاة الفجر، ثم يتوجه إلى الكلية لأداء الاختبارات، ولا يعود إلا قرب المغرب، مرهقًا من الصيام والمجهود، لكنه لم يسمح للتعب بأن يصرفه عن حلمه.

 

وتضيف أن فرحته بقبوله في الكلية الحربية كانت من أكبر لحظات السعادة التي رأتها في حياته، وتكررت الفرحة نفسها يوم تخرجه؛ فقد كان الالتحاق بالكلية ثم التخرج منها محطتين استثنائيتين في قلب ابنها.

 

من التخرج إلى رفح.. شاب يحمل مسؤولية كبيرة

 

التحق محمد أشرف بالكلية الحربية في 13 نوفمبر 2011، وتخرج في 24 يونيو 2014، ملتحقًا بسلاح المشاة الميكانيكية. وبعد تخرجه، عُيّن بإحدى كتائب المشاة في رفح بشمال سيناء، حيث كانت المواجهات مع العناصر الإرهابية تفرض على القوات المسلحة مهامًا بالغة الخطورة.

 

ورغم صغر سنه وحداثة تخرجه، لم يتعامل محمد مع موقع خدمته باعتباره عبئًا يريد الابتعاد عنه، بل أدى واجبه بروح المقاتل الذي اختار طريقه عن اقتناع.

 

وتؤكد والدته أن الجنود الذين خدموا معه أجمعوا على حبه واحترامه، لما عرفوه عنه من حسن الخلق والتواضع والأدب. فلم يكن يتعامل معهم باعتباره صاحب رتبة فحسب، بل كان يعتبرهم إخوة له، ويحرص على راحتهم ومساندتهم.

 

وتقول إن زملاءه نعوه بعد استشهاده بكلمات كشفت عن مكانته في نفوسهم، وعن علاقة إنسانية لم تقف عند حدود العمل العسكري، بل امتدت إلى الأخوة والمودة والاهتمام المتبادل.

 

رفض الذهب وتمسك بالقانون

 

من المواقف التي ترويها والدته عن ابنها، أنه خلال إحدى حملات المداهمة، عرض عليه أحد المطلوبين صندوقًا كبيرًا يحتوي على الذهب، مقابل أن يغادر المكان ويخبر المسؤولين بأنه لم يعثر على أحد بداخله.

 

لكن محمد رفض العرض بشدة، وتمسك بأداء واجبه وتطبيق القانون، دون أن تغريه قيمة ما عُرض عليه أو إمكانية الحصول على مكسب شخصي.

 

وتشير والدته إلى أن مثل هذه الإغراءات لم تكن الموقف الوحيد الذي واجهه خلال خدمته، لكنها تؤكد أن ابنها ظل متمسكًا بمبادئه، رافضًا أي مساومة على واجبه أو شرفه العسكري.

 

وكان الشهيد قد شارك في العملية العسكرية المعروفة باسم «حق الشهيد» في مرحلتها الأولى، وجرى تكريمه من الفريق صدقي صبحي، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي آنذاك.

 

«لو مكتوب لي أموت.. الأفضل أموت شهيد في سينا»

 

في إجازته الأخيرة، كان محمد حزينًا بشدة لاستشهاد زميله الملازم أول عمر الفار. وقد دفع خوف والدته عليه إلى مطالبة والده بمحاولة نقله من رفح إلى مكان أكثر أمانًا.

 

لكن رد محمد، بحسب روايتها، جاء حاسمًا، وكشف عن إصراره على البقاء في موقع خدمته، إذ قال لها بمعنى كلماته:

 

«عايزاني أتنقل عشان ما أموتش؟ لو ماكتوب لي أموت، هأموت في أي مكان، مش عشان أنا في سيناء. ولو على الموت، يبقى الأحسن إني أفضل في سينا عشان أموت شهيد».

 

لم تكن كلماته بالنسبة إلى والدته سهلة، فهي أم تخشى على ابنها، لكنها كانت تعرف مدى تعلقه بواجبه العسكري، وإيمانه بأن أداء المسؤولية لا يتوقف على حسابات الخوف والراحة.

 

وتروي أيضًا أن أحد زملائه، وهو نقيب، أخبرها قبل استشهاده بيومين أن وجه محمد بدا شديد الإشراق والصفاء، وعندما سأله عن سر تغير ملامحه، أجابه محمد بأنه «العريس الجاي، الدور عليّ في الشهادة».

 

كما كان أحد أقاربه، وهو مقدم، ينصحه دائمًا بارتداء الواقي والحرص على سلامته، فيرد عليه بأنه لا يقلق، وأن العبوة الناسفة التي يتوقع خطرها لن يمنعها الواقي من إحداث أضرارها.

 

وبحسب رواية والدته، قال محمد لزملائه في الكتيبة قبل استشهاده بيوم واحد إنه مقبل على ترقية كبيرة جدًا، في عبارة فهمها المقربون منه لاحقًا على ضوء ما حدث.

 

قلب لا يتأخر عن المحتاج.. ومرتب يقتطع منه للخير

 

لم تكن شجاعة محمد في الميدان هي وحدها ما جعلته قريبًا من قلوب من حوله؛ فقد عُرف، وفقًا لشهادة والدته، بسرعة استجابته لأي شخص يحتاج إلى المساعدة، سواء كان من الجيران أو الأقارب أو الأصدقاء، ولم يكن يتأخر عن أحد يستطيع معاونته.

 

وكان حريصًا على أداء الصلوات، كما كان يهتم بمساعدة الآخرين من دون انتظار مقابل.

 

وتستعيد والدته موقفًا إنسانيًا مؤثرًا، فتقول إن ابنها أعطاها في آخر مرة جزءًا من راتبه، وطلب منها التبرع به لمستشفى لعلاج السرطان، قائلًا لها إنه إذا نزل في الإجازة فسوف يذهب بنفسه لتقديم المبلغ، وإذا لم يتمكن من النزول، فعليها أن تتولى الأمر نيابة عنه.

 

كان ذلك الموقف، في نظرها، انعكاسًا لقلب ابنها الذي لم تشغله مسؤولياته العسكرية عن التفكير في المرضى والمحتاجين.

 

وتحكي والدته كذلك عن حرصه على زملائه، حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية. ففي إحدى المرات تأخر صرف الرواتب قليلًا، فاشترى محمد شطائر لزملائه حتى يتناولوا الطعام معًا.

 

وعندما مر المقدم حاتم أبو المجد عليهم أثناء الإفطار، وسأل عن الشخص الذي يتولى إحضار الطعام، أخبروه أنه الضابط أشرف. فأثنى عليه، ونبهه مازحًا إلى أن هذه العادة قد تستنزف راتبه، لكن محمد رد عليه بأنه لا يستطيع أن يحاسب إخوته على الطعام.

 

وتختصر هذه الحكاية جانبًا من شخصيته؛ فقد كان يرى أن القيادة مسؤولية ورعاية، لا مجرد رتبة أو أوامر.

 

آخر مهمة.. وإصرار على الخروج مع زملائه

 

تروي والدة الشهيد أن يوم استشهاده لم يكن الدور المقرر فيه لمحمد هو الخروج في المداهمة، بل كان دور أحد زملائه، إلا أنه أصر على المشاركة بنفسه.

 

وتقول إنه خرج من دون أن يأخذ محفظته أو هاتفه المحمول، وطلب من زميله تجهيز الإفطار إلى حين عودتهم، ثم تحركت المدرعات وكانت مدرعته في المقدمة.

 

وبحسب روايتها، استُهدفت المدرعة التي كان يستقلها بعبوة ناسفة، ما أسفر عن استشهاده واستشهاد أربعة جنود معه. وتضيف أن زملاءه عثروا عليه ساجدًا على الأرض.

 

استُشهد الملازم أول محمد أشرف عبد الفتاح في 8 ديسمبر 2015، بعد رحلة قصيرة في سنواتها، كبيرة في ما حملته من واجب وتضحيات.

 

وكانت خسارته موجعة لأسرته؛ فهو الابن الأكبر، وأول فرحتها، وسند إخوته، والحلم الذي رافق والديه منذ طفولته. وتقول والدته إن شدة حزنها لم تمنعها من التمسك بالأمل في رحمة الله ولقائه في الجنة.

 

وتضيف أن شقيقه حاول الالتحاق بالكلية الحربية مرتين، وكان يتمنى أن يسير على خطى أخيه ويواجه الإرهابيين الذين تسببوا في استشهاده، لكنه لم يُوفّق في ذلك.

 

وتشير والدته إلى أن زيارة قائد ابنها لها، وإخباره إياها بأن القائد وجنوده أخذوا بثأر محمد من الشخص الذي فجّر المدرعة، خففت بعضًا من ألمها، وإن ظل فراق ابنها جرحًا لا يندمل بسهولة.

 

شهادة زملائه.. قائد كان أخًا قبل أن يكون ضابطًا

 

بعد استشهاده، كتب زملاء محمد كلمات على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي، حملت مشاعر الحزن والوفاء، وكشفت عن أثره في نفوسهم.

 

كتب أحمد: «الله يرحمك يا أجدع شخصية شفتها في القوات المسلحة، أنت وكل شهيد في شمال سيناء».

 

أما محمد، فوصفه بأنه أخ وصديق وقائد، وقال إنه كان يجمع الجنود في حجرته بالكمين بعد انتهاء الخدمة حتى يضحكوا معًا، وكان يخاف عليهم أكثر من نفسه. واستعاد موقفًا أهداه فيه محمد واقي الرصاص الخاص به، بعدما لاحظ أنه لا يمتلك واقيًا.

 

وكتب عمرو معبرًا عن حزنه: «في الجنة إن شاء الله.. لأن أنت يا قائد ما أقدرش أنساك أبدًا»، مؤكدًا أنه كان من أكثر الأشخاص الذين عجز عن تقبل فراقهم.

 

وقال حسن في رثائه: «الله يرحمك يا محمد.. كنت ضابط زي العسل، وابن ناس قوي ومحترم»، مشيرًا إلى أنه لم يكن يقسو على أي جندي في الكتيبة أو الكمين، وأن ضحكته وطيبته ظلتا حاضرتين في ذاكرته.

 

أما شهادة زميله بشأن شراء الطعام للجنود، فقد لخصت جانبًا مهمًا من علاقة محمد بمن كانوا تحت قيادته؛ إذ لم يكن يرى في مساعدتهم عبئًا أو منّة، بل كان يعتبرهم إخوة، ويرفض أن يحوّل أبسط صور المودة إلى حسابات مادية.

 

هذه الكلمات لم تكن مجرد رسائل نعي، بل شهادات من أشخاص عاشوا معه تفاصيل الخدمة، ورأوا عن قرب كيف جمع بين الانضباط العسكري والتواضع الإنساني.

 

سيرة شهيد.. وذكرى لا تنتهي

 

كان محمد أشرف عبد الفتاح شابًا يحمل حلمًا واضحًا منذ طفولته، وسعى إليه حتى تحقق، ثم انتقل من مقاعد الكلية الحربية إلى ميادين الخدمة في شمال سيناء.

 

وفي شهادات والدته وزملائه، تتجلى ملامح ضابط أحب عمله، وتمسك بالقانون، وحرص على جنوده، ومد يد العون للمحتاجين، وظل وفيًا للمسؤولية التي اختارها.

 

رحل الشهيد في الثامن من ديسمبر عام 2015، لكنه بقي حاضرًا في ذاكرة أسرته ورفاقه، وفي سجل أبناء مصر الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لأداء واجبهم في مواجهة الإرهاب.

 

رحم الله الشهيد البطل الملازم أول محمد أشرف عبد الفتاح، ورحم شهداء مصر جميعًا، وحفظ الوطن وأهله من كل سوء.

 

الحلقة الثانية والخمسون من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب» — توثيق د. أحمد علي عطية الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *