كِيسُ الْكَرَامَةِ الأَسْوَدُ - النايل نيوز
الرئيسية » كِيسُ الْكَرَامَةِ الأَسْوَدُ
مقالات

كِيسُ الْكَرَامَةِ الأَسْوَدُ

كتب المقال بواسطة أ/
*/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

كِيسُ الْكَرَامَةِ الأَسْوَدُ

بقلم الأديب المصري

د. طارق رضوان جمعة

 

لم يكن الفقر دائمًا رجلًا يحمل كيسًا فارغًا ويقف على أبواب الأغنياء؛ أحيانًا كان شيخًا يرتدي قميصًا نظيفًا، يمشّط ما تبقّى من شعره، ويغسل يديه طويلًا قبل أن يمدّهما إلى بقايا الآخرين.

 

أنا هذا الشيخ، ذات مساء رأيتُني

أجلس على حافة الرصيف، أفتّش في جيبي عن شيء ضاع مني، وحين اقتربت من كبريائي اكتشفت أنني لم أكن أبحث عن نقود، بل عن آخر قطعة من عزة نفسي.

 

كان الفقر قد أخذ مني أشياء كثيرة، لكنه ترك لي تلك الحيلة الصغيرة التي تجعل الإنسان يبدو بخير، بينما ينهار داخله على مهل.

 

في حارة ضيقة، كنتُ شيخًا أذهب إلى الجزارة، أطلب العظام وبقايا اللحم، وأقول إنها لكلاب جائعة خلف الخرابة.

 

لم يكن في الحكاية كلاب.

 

لكن هناك ثلاثة أطفال ينتظرون عودتي، وكانت هناك معدة فارغة لرجل لم يعد يملك ترف الاختيار بين الجوع والكرامة.

 

كان عم حسن، صاحب الجزارة، يرفع عينيه إليّ أحيانًا، ثم ينحني إلى ساطوره، كأن بيننا اتفاقًا غير مكتوب على ألا يسأل أحدنا الآخر عما لا يريد قوله.

 

يضع العظام في كيس أسود، ويناولني إياه.

 

كنت أتلقاه بيدين حذرتين، وأضم فوهته كيلا تنكشف محتوياته للمارة. لم أكن أخشى أن تسقط العظام؛ كنت أخشى أن تسقط معها الحكاية التي احتميت بها… كرامتى.

 

لم يسألني أحد عن مدى حاجتي، ولا عن سبب ارتجاف يدي وأنا أحمل الكيس، ولا لماذا كنت أسرع الخطى كلما شعرت أن عينًا تتبعني.

 

ربما لأن الناس اعتادوا ألا يكلفون أنفسهم عناء النظر إلى الوجه الذي يسكن اليد الممدودة.

 

لم أكن أطلب بقايا اللحم للكلاب، بل كنت أحمل في صدري بقايا أخرى لا يراها أحد؛ بقايا اهتمام، وبقايا برّ، وشيئًا من الحنان الذي يتساقط من موائد البيوت حين يكبر أصحابها ويصبحون عبئًا على ساعات الآخرين.

 

كان الفقر المادي يجلس معي إلى المائدة، أما الفقر المعنوي فكان يجلس في قلبي، ولا يغادر حتى حين تمتلئ الموائد.

 

أعود إلى الغرفة، فيسبقني الأطفال إلى الكيس.

 

كانت عيونهم تفتح فوهته قبل أصابعهم، ويخرجون العظام منه كما يخرج المرء كنزًا من بئر قديمة.

 

أغسلها طويلًا.

 

كان الماء ينساب فوقها، ويحمل ما علق بها من دماء ودهون، لكنني كنت أعرف أن ثمة أشياء لا يغسلها الماء؛ أشياء تظل عالقة بالروح، حتى بعد أن تجف اليدان.

 

أضعها في قدر كبير، وأتركها تغلي.

 

يتصاعد البخار، وتنتشر رائحة اللحم في الغرفة، فتقترب الوجوه الصغيرة من القدر، كأن الرائحة وحدها تستطيع أن تعيد إلى العظام ما فقدته.

 

ثلاثة أطفال حول النار، وشيخ يقف بعيدًا، يتظاهر بأنه مشغول بتعديل الحطب.

 

كانوا يمصّون العظام بحثًا عن طعم اللحم، وكنت أبتلع صبري كيلا يسمعوا صوت معدتي.

 

يسألني أحدهم:

 

ــ ألم تأكل يا جدي؟

 

فأبتسم:

 

ــ أكلت قبل أن تعودوا.

 

ثم أنظر إلى القدر، وأشعر أن العظام تنظر إليّ أيضًا.

 

لم أكن أعرف أيّنا كان أكثر تجردًا من اللحم؛ تلك العظام التي تركتها الذبيحة، أم هذا الجسد الذي تركه الجوع واقفًا على قدميه.

 

ومع ذلك، كنت أفرح حين أراهم يأكلون.

 

لم يكن الشبع كذبة كاملة؛ فقد كان في ضحكاتهم شيء يملأ صدري، وإن لم يصل إلى معدتي.

 

وفي كل ليلة، كان الكيس الأسود يُطوى ويوضع في ركن الغرفة. لم يكن ينام مثل بقية الأشياء؛ كانت له فوهة مفتوحة كأنه يريد أن يقول شيئًا، ثم يتراجع.

 

أما عم حسن، فكان يعتاد رؤيتي كل مساء. صار الكيس الأسود جزءًا من المشهد؛ الرخامة، والساطور، والميزان، والشيخ الذي يأتي من أجل الكلاب.

 

وربما كان أكثر ما يوجع في الحكاية أن السر حين يتكرر يتحول إلى عادة، وأن العادة قد تمر أمام أعيننا كل يوم دون أن توقظ فينا سؤالًا واحدًا.

 

ثم غاب الشيخ العجوز… مات طارق.

 

لم يأتِ في موعده المعتاد، ولم يظهر في اليوم التالي، ولم يعد الكيس الأسود يطرق ذاكرة الرخامة.

 

مرّت أيام، حتى عرف عم حسن بموته.

 

وفي صباح هادئ، صعد إلى الغرفة يحمل كيسًا من اللحم الطازج. لم يكن يحمل بقايا هذه المرة؛ ربما أراد أن يرد للرجل بعض ما فاته، أو أن يطمئن إلى الأطفال الذين لم يعد يعرف عنهم شيئًا.

 

طرق الباب.

 

فتح طفل صغير.

 

سأله عم حسن:

 

ــ أين جدك يا حبيبي؟

 

قال الطفل:

 

ــ جدي مات.

 

صمت الرجل لحظة، ثم مد إليه كيس اللحم.

 

ــ خذ يا حبيبي، هذا لكم.

 

نظر الطفل إلى الكيس، ثم رفع عينيه باستغراب:

 

ــ لكن لماذا يا عم حسن؟ نحن ليس عندنا كلاب!

 

لم يتحرك عم حسن.

 

ظل واقفًا، والكيس يتدلّى من يده، كأن ثقله تضاعف فجأة.

 

لم تكن هناك كلاب.

 

لم تكن هناك خرابة.

 

كان هناك جدٌّ يقتسم جوعه مع ثلاثة أحفاد، ويخبئ عنهم حتى حقيقة جوعه.

 

وفي تلك اللحظة، ربما كان عم حسن يظن أنه يمنح الرجل صدقة، لكنه اكتشف أن طارق كان يمنحه فرصة نادرة للعطاء؛ فرصة ألا يجرح إنسانًا وهو يمد إليه يده.

 

أيُّهما كان أكرم؟

 

الرجل الذي أعطى ما استغنى عنه، أم الرجل الذي أخذ ما يحتاج إليه، وحمى كرامته من أن تصبح فرجة في عيون الناس؟

 

لا أدري أيهما أولى بالشكر؛ السائل الذي أتاح للمتصدق أن يمارس رحمته، أم المتصدق الذي لم يجعل رحمته سكينًا في قلب السائل.

 

ومنذ ذلك اليوم، صار عم حسن يرى في العظام شيئًا آخر.

 

لم تعد بقايا الذبيحة مجرد ما يتبقى بعد البيع؛ صارت تذكّره بأن بعض ما نلقيه قد يكون آخر ما ينتظره بيت، وأن ما نراه قليل القيمة قد يكون حياة كاملة في عين إنسان.

 

أما الكيس الأسود، فقد ظل في ذاكرته أطول مما ظلت رائحة اللحم على ثيابه.

 

أحيانًا لا يكون الفقر أن تخلو يدك من المال، بل أن تضطر إلى اختراع حكاية كي تفسر للناس لماذا تحتاج إليه.

 

وأحيانًا لا تكون المهانة في أن تأخذ، بل في الطريقة التي يُنظر بها إليك وأنت تأخذ.

 

كم من أبٍ نام جائعًا كي يظن أطفاله أنه شبعان؟ وكم من أمٍّ قالت إنها لا تحب الطعام الذي أكلته أفواه صغارها؟ وكم من شيخٍ أخفى ارتجاف يده تحت ابتسامة، حتى لا يكتشف أحد أن العمر الذي أنفقه في تربية الآخرين لم يترك له من يتكئ عليه؟

 

ليس كل من مدّ يده متسولًا، وليس كل من أعطى كريمًا، وليس كل صمت دليل رضا.

 

فبعض الأيادي تأخذ كي تطعم غيرها، وبعض الأيادي تعطي دون أن تعرف أنها تأخذ في المقابل درسًا لن تنساه.

 

أما طارق…

 

فقد رحل، وبقيت حكايته معلقة بين كيس أسود وثلاثة أطفال، ورجل جزّار لم يعد يستطيع النظر إلى العظام بالطريقة القديمة.

 

وربما كان أكثر ما يستحق الرثاء في هذه الحكاية ليس رجلًا مات جائعًا، بل كرامة ظلت حية حتى اضطر صاحبها إلى إخفائها داخل كيس من البقايا.

 

فأيُّ عالمٍ هذا الذي يحتاج فيه الإنسان إلى أن يكذب بشأن الكلاب، كي لا يقول إنه يطعم أحفاده؟


استخدم الكود
استخدم الكود

اضغط خصم النايل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *