نساء لا تُنسى..السيدة نفيسة.. المرأة التي كادت تغادر مصر فتمسّك بها أهلها - النايل نيوز
الرئيسية » نساء لا تُنسى..السيدة نفيسة.. المرأة التي كادت تغادر مصر فتمسّك بها أهلها
مقالات

نساء لا تُنسى..السيدة نفيسة.. المرأة التي كادت تغادر مصر فتمسّك بها أهلها

كتب المقال بواسطة أ/
*/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

نساء لا تُنسى
السيدة نفيسة.. المرأة التي كادت تغادر مصر فتمسّك بها أهلها

داليا حسام تكتب

تخيلوا إن امرأة تيجي مصر من بلد بعيدة، وبعد فترة تفكر إنها ترجع من حيث جاءت، فيخرج أهل البلد ويتمسكوا بيها، ويطلبوا منها تفضل بينهم!

إيه اللي ممكن يخلي ناس يتعلقوا بإنسانة للدرجة دي؟ وإيه اللي شافوه فيها وخلاهم مش عاوزينها تمشي؟

الحكاية دي مش من قصص الخيال، لكنها واحدة من أشهر الروايات المرتبطة بالسيدة نفيسة، المرأة التي ارتبط اسمها بمصر ارتباطًا كبيرًا،

وأصبح اسمها حاضرًا في ذاكرة القاهرة، حتى إننا لحد النهارده لما بنسمع اسمها نفتكر مسجدها والحي الذي يحمل اسمها،

نستحضر سيرة امرأة عاشت منذ أكثر من ألف ومئتي سنة.

لكن حكايتها بدأت قبل وصولها إلى مصر بسنوات طويلة، وسط أسرة لها مكانتها التاريخية، وأحداث سياسية واجتماعية صعبة،

ورحلة انتهت باستقرارها في القاهرة، حيث ارتبط اسمها بالعلم والعبادة والإحسان إلى الناس.

تعالوا نبدأ الحكاية من أولها

أبوها كان واليًا على المدينة.. وأسرتها عرفت تقلبات الحكم
السيدة نفيسة هي نفيسة بنت الحسن الأنور بن زيد الأبلج بن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم.

وُلدت في مكة المكرمة سنة 145 هجرية، ونشأت في المدينة المنورة، وكان والدها الحسن الأنور من الشخصيات ذات المكانة في عصره،

وتولى ولاية المدينة في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور.

لكن حياة الأسرة لم تكن بعيدة عن تقلبات السياسة والحكم، فقد ارتبط اسم والدها بأحداث سياسية في العصر العباسي،

وتذكر بعض كتب التراجم تعرضه للعزل ومصادرة أمواله ثم الإفراج عنه في عهد الخليفة المهدي.

وبعد ذلك خرج الحسن الأنور للحج، لكنه توفي في طريقه سنة 168 هجرية، في موضع يُعرف بالحاجر.

تأملوا المشهد.. بنت نشأت في بيت له مكانته، ثم عاشت تجربة فقد الأب، وشهدت ما يمكن أن تتركه تقلبات السياسة في حياة الأسر، مهما كانت مكانتها.

إحنا ما نعرفش تفاصيل مشاعرها وقتها، ولا يصح ننسب لها كلامًا لم تقله المصادر،

لكن نقدر نفهم إن حياتها كانت مليئة بتجارب إنسانية حقيقية، بعيدًا عن الألقاب التي عرفها بها التاريخ.

زواج جمع فرعي الحسن والحسين

كبرت نفيسة في المدينة المنورة، واشتهرت بالعلم والعبادة، حتى ارتبط اسمها بلقب «نفيسة العلم».

وتزوجت إسحاق المؤتمن، ابن الإمام جعفر الصادق، من نسل الإمام الحسين بن علي.

وهنا فيه تفصيلة جميلة في تاريخ الأسرة؛ فالسيدة نفيسة تنتمي إلى نسل الإمام الحسن،

بينما ينتمي زوجها إسحاق المؤتمن إلى نسل الإمام الحسين، وبذلك جمع زواجهما فرعي الحسن والحسين في أسرة واحدة.

وتذكر المصادر أنها أنجبت منه ولدًا وبنتًا، هما القاسم وأم كلثوم.

ودي صورة تانية من حياتها، بعيدًا عن الألقاب والمكانة التاريخية: زوجة وأم، لها بيت وأسرة، وفي الوقت نفسه لها اهتمام بالعلم والعبادة.

والمصادر التاريخية لم تحتفظ لنا بتفاصيل كثيرة عن حياتها اليومية داخل بيتها، ولذلك من الأفضل أن نترك المساحة لما نعرفه بالفعل، دون اختراع مواقف ونسبتها إليها.

رحلة إلى مصر.. واستقبال عند العريش

في سنة 193 هجرية، جاءت السيدة نفيسة إلى مصر بصحبة زوجها وأسرتها، بعد رحلة مرت بالقدس والخليل، وفقًا لما تذكره روايات سيرتها.

ولما وصل خبر قدومها إلى أهل مصر، خرجوا لاستقبالها عند مدينة العريش، في مشهد يعكس مكانتها ومحبة الناس لها.

تخيلوا استقبال امرأة في زمن لم تكن فيه وسائل اتصال سريعة، ولا أخبار تنتشر بضغطة زر، ومع ذلك وصل خبر قدومها إلى الناس، وخرجوا للقائها.

وصلت السيدة نفيسة إلى مصر في أواخر رمضان سنة 193 هجرية، وبدأت مرحلة جديدة من حياتها.

وتذكر روايات سيرتها أنها نزلت في البداية بدار أحد كبار التجار، جمال الدين عبد الله الجصاص، ثم انتقلت إلى دار أخرى بمنطقة المراغة، قبل أن تستقر في الدار التي ارتبط بها موضع دفنها لاحقًا.

وهنا بدأت علاقتها الحقيقية بالمجتمع المصري، فلم تكن مجرد زائرة عابرة، بل أصبحت مقصدًا للناس الذين أقبلوا عليها طلبًا للعلم والاستفادة من سيرتها.

 

الحكاية التي كادت تجعلها ترحل عن مصر

وهنا نوصل للحكاية اللي اخترناها عنوانًا لمقالنا.

بعد استقرار السيدة نفيسة في مصر، بدأ الناس يتوافدون عليها بأعداد كبيرة؛

بعضهم يطلب العلم، وبعضهم يلتمس الدعاء، وآخرون يقصدونها لما اشتهرت به من العبادة والصلاح.

ومع كثرة الزيارات، تذكر روايات سيرتها أنها شعرت بأن وقتها أصبح مزدحمًا،

وأن توافد الناس شغلها عن برنامج عبادتها وأورادها التي اعتادت عليها.

وتنقل كتب سيرتها أنها فكرت في الرحيل والعودة إلى الحجاز، وورد في الرواية على لسانها ما معناه أنها امرأة ضعيفة،

وأن كثرة الناس شغلتها عن أورادها، وزاد حنينها إلى المدينة المنورة.

تخيلوا إن أهل مصر يسمعوا إن السيدة نفيسة ممكن تسيبهم وتمشي!

وتقول الرواية إن والي مصر وقتها، السري بن الحكم، تدخل لحل المشكلة، وعرض عليها دارًا أوسع،

كما اتفق معها على تنظيم الزيارات في يومين من الأسبوع، حتى يتمكن الناس من زيارتها وطلب العلم، وتحتفظ ببقية أيامها لعبادتها.

فوافقت على البقاء.

والجميل هنا مش مجرد تمسك الناس بيها، لكن إن الرواية بتقدم لنا صورة امرأة كانت حريصة على وقتها، وعلى علاقتها بالناس، وعلى عبادتها في الوقت نفسه.

ومن المهم نوضح إن تفاصيل الحوار وتنظيم الزيارات وردت في روايات السيرة،

ولا ينبغي التعامل مع كل عبارة منقولة باعتبارها نصًا تاريخيًا موثقًا حرفيًا.

امرأة لم تنسَ المرضى والمحتاجين

لكن من أهم التفاصيل اللي تستحق إننا نقف عندها، واللي يمكن ما تكونش منتشرة بنفس شهرة لقبها وعلاقتها بالإمام الشافعي، ما ذكره المؤرخون عن إحسانها إلى الناس.

ففي ترجمة السيدة نفيسة، ورد أنها كانت صاحبة مال وإحسان،

وكانت تواسي الناس وتشملهم ببرها وخيرها، مع عناية خاصة بالمرضى وذوي العاهات والمحتاجين.

يعني إحنا مش بنتكلم عن امرأة كانت شهرتها في مجالس العلم والعبادة فقط، لكن عن شخصية ارتبط اسمها أيضًا بمساعدة الناس والإحسان إليهم.

والتفصيلة دي مهمة جدًا؛ لأن قيمة الإنسان مش بس في علمه أو نسبه أو مكانته، لكن كمان في الأثر اللي بيسبه في حياة الآخرين.

أنا بحب الجانب ده تحديدًا في حكايتها؛

لأن الناس ممكن تفتكر الإنسان بسبب اسمه ومكانته، لكن الخير اللي يقدمه هو اللي بيخلي ذكراه تعيش في القلوب.

 

السيدة نفيسة والإمام الشافعي.. علاقة علم وتقدير

بعد وصول الإمام محمد بن إدريس الشافعي إلى مصر، ارتبط اسمه باسم السيدة نفيسة.

الإمام الشافعي، صاحب المذهب الشافعي، كان واحدًا من كبار علماء عصره،

وتذكر كتب التراجم أن صلته بالسيدة نفيسة كانت وثيقة، وأنه كان يزورها ويقدر مكانتها.

وتذكر روايات تاريخية أن الإمام الشافعي توفي سنة 204 هجرية، وأن جنازته مرت بدار السيدة نفيسة، فصلّت عليه.

وهنا لازم نقف عند معنى مهم: إحنا بنتكلم عن امرأة كان لها حضور في الحياة العلمية والدينية، وكان واحد من أشهر علماء الفقه في عصرها على صلة بها.

وده بيكشف لنا جانبًا مهمًا من مكانة المرأة في التاريخ الإسلامي، ودورها في العلم ورواية الحديث،

وأن حضور النساء في الحياة العلمية لم يكن غائبًا كما قد يتصور البعض.

أما التفاصيل المتداولة عن كل زيارة، وطلب الدعاء، والوصية المتعلقة بالجنازة، ففيها روايات متفاوتة؛

لذلك من المهم التمييز بين أصل العلاقة التاريخية وبين التفاصيل التي نقلتها كتب المناقب.

لماذا أراد زوجها أن يدفنها في المدينة؟

عاشت السيدة نفيسة في مصر حتى سنة 208 هجرية، وتوفيت في شهر رمضان من تلك السنة.

وهنا تظهر حكاية أخرى من الحكايات المرتبطة بحياتها.

تذكر روايات تاريخية أن زوجها إسحاق المؤتمن أراد نقل جثمانها إلى المدينة المنورة ودفنها بالبقيع،

لكن أهل مصر تمسكوا ببقائها بينهم، وطلبوا منه أن يدفنها في مصر.

وتذكر المصادر أن زوجها استجاب في النهاية لطلب أهل مصر، فدُفنت في الدار التي كانت تسكنها، في موضع ارتبط لاحقًا باسمها.

تخيلوا إن المكان اللي عاشت فيه المرأة بقى بعد رحيلها موضعًا يحمل اسمها، وإن المصريين فضلوا يتذكروا سيرتها عبر القرون.

ومن هنا ارتبط اسمها بواحد من أشهر مساجد القاهرة، مسجد السيدة نفيسة،

الذي أصبح علامة بارزة في طريق أهل البيت، وشاهدًا على حضور سيرتها في الذاكرة المصرية.

 

حكاية امرأة.. لم يغب أثرها

قد نعرف السيدة نفيسة من اسم مسجدها، أو من المكان الذي يحمل اسمها في القاهرة،

لكن وراء هذا الاسم حكاية امرأة عاشت حياة كاملة؛ عرفت الفقد، وتزوجت وأنجبت، وانتقلت من بلد إلى آخر،

وارتبطت بالعلم والعبادة، وامتد إحسانها إلى المرضى والمحتاجين.

لم تكن مكانتها في قلوب المصريين وليدة لقب أو حكاية واحدة، بل ارتبطت بسيرة تركت أثرًا في حياة من عرفوها،

حتى أصبح رحيلها بداية لحضور مختلف، بقي اسمها من خلاله حاضرًا في ذاكرة المدينة.

وهكذا، لا تنتهي حكاية السيدة نفيسة عند تاريخ وفاتها، ولا عند موضع دفنها؛

فهناك شخصيات يظل أثرها أكبر من المكان الذي احتضنها، وتبقى سيرتها شاهدة على أن قيمة الإنسان الحقيقية فيما يتركه خلفه من علم وخير ومحبة.

فبعض النساء لا يُنسين، لأن حكاياتهن لا تعيش في صفحات التاريخ وحدها، بل تظل جزءًا من ذاكرة الناس.

داليا حسام



 
عروض موبيلات بسعر مميز
تسوق عبر نون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *